المزاول الفلكية تعود لمساجد المدينة القديمة.. شمس الموصل تضبط عقارب التاريخ (صور)
شفق نيوز- نينوى
تستيقظ أزقة الموصل القديمة كل صباح على وقع تراتيل المآذن وتسلل خيوط الفجر الأولى فوق قبابها العتيقة، لكن مشهداً علمياً وتراثياً غاب لعقود طويلة بدأ يعود بهدوء ليزيّن باحات تلك المساجد التاريخية.
وبعد سنوات طويلة من الاندثار طغت فيها الساعات الرقمية والآلات الحديثة، تعود "المزولة الشمسية" لتتصدر واجهة العمارة الدينية في المدينة، في خطوة تعيد ربط حركة الكون بمواقيت العبادة، وتستحضر أمجاداً فلكية تليدة طالما ميّزت أرض الرافدين.
نبض يتجدد في قلب الموصل القديمة
في باحة الجامع النوري الكبير أحد الجوامع المعاد إعمارها في الموصل القديمة، يقف المهندس أحمد العمري، المتطوع في "جمعية فعل الخيرات"، متأملاً حركة الظل وهو يزحف بدقة على قرص رخامي مدرج بعناية فائقة.
لم تكن هذه الجمعية مجرد جهة خيرية عادية، بل اضطلعت بمهمة جليلة تمثلت في بناء وإعادة إعمار عشرات المساجد في المدينة على نفقة المحسنين بعد الدمار الذي لحق بها، غير أن العمري اختار أن يُتوّج هذه العمارة بروح التراث؛ حيث أخذ على عاتقه إعادة صناعة ونصب المزاول الشمسية وتثبيتها على جدران وباحات تلك الجوامع، ليعيد إلى الأذهان مشهداً اندثر منذ عقود، وتتحول المساجد بفضل هذه المبادرة إلى منارات تجمع بين أداء الشعائر وإحياء العلوم التاريخية.
وعن هذه التجربة والدافع وراء إعادة إحيائها، يقول المهندس أحمد العمري في حديثه لوكالة شفق نيوز: "وجدنا في عمارة المساجد فرصة حقيقية لنعيد للموصل ملمحاً علمياً طالما تميزت به؛ المزولة الشمسية ليست مجرد قطعة حجرية لتزيين الجدران، بل هي شريان يربط المصلين بحركة الكون والشمس لمعرفة مواقيت الصلوات كما كان يفعل أجدادنا".
ويضيف: "أردنا من خلال عملنا التطوعي في جمعية فعل الخيرات، وبدعم من المحسنين، أن نبعث هذا التراث المندثر ونجعله جزءاً حياً ونابضاً في قلب الجوامع الجديدة والمعاد إعمارها".
لغة الظل وتناغم الفلك
المزولة الشمسية، كما تُعرّف في الأوساط العلمية والتراثية، هي أقدم أداة فلكية ونهارية عرفها الإنسان لتحديد الوقت بدقة. وتعتمد فكرتها الفيزيائية البسيطة والعميقة في آن واحد على مراقبة حركة الشمس الظاهرية في السماء؛ حيث يُثبّت شاخص أو ساق معدنية يُعرف بـ"النومون" فوق سطح مستوٍ أو مقوس يكون مقسماً بخطوط ودرجات تدل على الساعات وأجزائها.
ومع دوران الأرض وشروق الشمس، يلقي الشاخص ظلاً على ذلك السطح المدرج، ويتغير طول الظل وزاويته بتغير موقع الشمس على مدار النهار، مما يمكّن الناظر من قراءة الوقت بدقة متناهية ومعرفة أوقات الصلوات، لاسيما صلاتي الظهر والعصر اللتين ترتبطان مباشرة بحركة الظلال وطولها.
ولا يمكن فهم القيمة الرمزية لعودة المزولة إلى الموصل بمعزل عن جذورها الضاربة في عمق التاريخ؛ إذ لم تكن هذه الآلة مجرد أداة توقيت، بل كانت شاهداً على عبقرية الإنسان في بلاد الرافدين.
ويضعنا الاستشاري في مجال التراث والآثار، فارس عبد الستار، في قلب المشهد التاريخي موضحاً الأصول الأولى لهذه الآلات الفلكية، حيث يقول في شهادته التوثيقية إن "المزولة الشمسية تعتبر من الآلات القديمة جداً في استخدام وإيجاد الوقت. تم اعتمادها في الحضارات القديمة، وخصوصاً حضارات بلاد الرافدين قبل التاريخ وقبل الميلاد، وعُرفت المزاول منذ تلك الفترة".
ويتابع في حديثه لوكالة شفق نيوز: "لعل من أشهر هذه المزاول ما قام به الكاهن والفلكي البابلي بروسوس، الذي عمل مزولة بحدود أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، لتنتقل المعارف فيما بعد إلى الحضارة اليونانية، ومن ثم إلى الحضارة الإسلامية".
ويسترسل عبد الستار في تتبع التطور التاريخي للمزولة في الحقبة الإسلامية ومحطات إحيائها داخل العراق، مضيفاً: "تفنن المسلمون بشكل كبير جداً في عمل المزاول لاستخدامها خصوصاً في الجوامع وفي إيجاد الوقت، وذلك بسبب تطور الفلك وحسابات الوقت لديهم، فظهرت مجموعة مزاول في جميع البلدان الإسلامية ومنها العراق".
ويبين: "كانت واحدة من أقدم هذه المزاول في سامراء، وهي مزولة سامراء الجصية التي تعود إلى القرن التاسع الميلادي (الثالث الهجري)، وكذلك مزولة جامع النوري في الموصل".
ويشير إلى محاولات التوثيق والتجديد الحديثة التي سبقت المبادرة الحالية، قائلاً: "بعد ذلك كانت هناك محاولة مهمة من قبل الدكتور محمد صديق الجليلي عام 1973، عندما قدم مقترحاً إلى بلدية الموصل لإحياء هذا التراث المهم".
ويضيف: "قام الجليلي بإنشاء مجموعة من المزاول؛ إحداها كانت عمودية في مدخل طريق (بغداد - الموصل) والتي نُقلت لاحقاً إلى قرب جامع النبي يونس، وأخرى أفقية مقابل مبنى المحافظة القديم في باب الطوب، وثالثة في جامع النعمانية بالقطانين، وكانت تلك خطوة مهمة جداً لإحياء هذا الإرث العظيم".
شفاعة للتراث ورسالة للأجيال
تتجاوز عودة المزاول الشمسية إلى مساجد الموصل حاجة الناس العملية لمعرفة الوقت في عصر الهواتف الذكية؛ إنها تمثل وقفة شفاعة واعتراف بفضل التراث العلمي العريق، وبصمة انتماء تثبت أن روح الموصل وإرثها الإنساني لا يمكن أن يندثراً.
وبجهود المتطوعين من أمثال المهندس أحمد العمري، ورؤية الباحثين والآثاريين كفارس عبد الستار، وبسخاء أيادي المحسنين، تقف المزولة اليوم على جدران الجوامع شاهداً حياً يربط الأرض بالسماء، ويعلم الأجيال الصاعدة درساً بليغاً في كيفية تسخير نور الطبيعة لخدمة الإنسان والروح معاً، لتبقى الموصل كما كانت دوماً، مدينة العلم التي لا تغيب عنها شمس الحضارة.