يكسوها ذهب أسود.. "نشوة" البصرة بؤرة السرطان في العراق (وثائق)

2022-11-16T08:50:47.000000Z

شفق نيوز/ إلى البصرة أقصى جنوبي العراق، حيث المدينة الغنية بالنفط، والتي تضم أكبر عدد من الحقول والشركات الأجنبية العاملة في استخراج الخام، تعاني هذه المحافظة من انتشار أمراض عدة أبرزها السرطان، نتيجة الكم الهائل من الملوثات المنبعثة في كل شيء الهواء، الماء، الغذاء، والتربة.

البصرة نقطة ثقل إنتاج النفط في العراق، تضم "أكبر خمسة حقول للنفط" وتغطي ما نسبته "65% من الغاز المحروق حالياً"، وفق بيانات البنك الدولي.

وتفيد أحدث بيانات البنك الدولي بأن العراق يحرق ما يزيد على 17 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ليحتل المرتبة الثانية بعد روسيا، وتعادل انبعاثات مكافئ ثاني أكسيد الكربون الناجمة نحو 10% من إجمالي الانبعاثات العالمية.

وتعالج "شركة غاز البصرة" معظم الغاز المصاحب حاليا بمعدّل مليار مقمق، من ثلاثة حقول نفط في البصرة. وغاز البصرة شركة خاصة تتوزع أسهمها على ثلاثة أطراف: شركة "شل" البريطانية بنسبة 44%، و"غاز الجنوب" الحكومية (51%)، و"ميتسوبيتشي" (5%).

ونقل تقرير نشرته صحيفة "الإندبندنت" البريطانية عن خبراء أن حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط يعد العامل الرئيسي لتلوث المناخ، يشكل خطرا داهما على صحة الذين يعيشون في الجوار، مسببة الإصابة بالربو وأمراض الرئة والجلد والسرطان.

ويذكر التقرير أن العراق يعد من أكثر الدول ممارسة لهذه العمليات في العالم، والبصرة -المحافظة التي تقع فيها ناحية عبدالواحد هي المنطقة الأكثر تضررا في البلاد. وقد ندد السكان بخطورة هذه الممارسة اليومية التي تقتل الأطفال وكبار السن وحتى الشباب.

النشوة والسرطان

ناحية النشوة الواقعة ضمن محافظة البصرة، مثال حي لمعاناة البصريين، إذ تسجل هذه المدينة ارتفاعاً مستمراً في عدد حالات الإصابة بأمراض السرطان المختلفة.

وعلى الرغم من التأكيدات الحكومية على وجود الإشعاع في جميع مناطق الناحية البالغة 32 منطقة، إلا أنها لم تحدد حتى الآن الجهة المسؤولة وراء تفشي هذه الأمراض القاتلة بين السكان الذين يوجهون بدورهم أصابع الإتهام إلى الحقول النفطية عادين اياها المصدر الرئيس لمعاناتهم.

ويقطن ناحية النشوة التي تبعد 45 كيلو متر عن مركز محافظة البصرة من 35-40 ألف نسمة، "بدأوا معاناتهم مع الأمراض السرطانية بعد الغزو العراقي للكويت في تسعينيات القرن الماضي، وما رافقه من قصف للقطعات العسكرية العراقية التي كانت تتواجد في الناحية المذكورة حينها، ومن نجا من القصف لم يسلم من المخلفات المشعة لها المسببة للسرطان"، وفق مدير الناحية، وليد مطر المياحي.

إصابات مجهولة

المياحي وخلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أشار إلى أن "بعد مجيء شركة (شل) للاستثمار في حقل مجنون النفطي عام 2010، ارتفعت إصابات السرطان بشكل ملحوظ، بسبب الانبعاثات الغازية السامة الناتجة عن حرق غاز الشعلة التي كانت بالقرب من المبازل، حيث بعض أعمدة الشعلات لا يبعد مسافة نصف كيلومتر عنها، وبعد مناشدات مع الشركة المنفذة تم نقل جزءا منها لكن لا زال بعضها الآخر يعمل في الناحية حتى الآن".

وأضاف المياحي، أنه "نتيجة ذلك تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في حكومة مصطفى الكاظمي السابقة، وتم إجراء مسح شامل للمياه والهواء والتربة، ووجدت اللجنة نسبة من الإشعاع في الناحية، لكنها لم تحدد الجهة المسؤولة عن هذه الأمراض السرطانية التي أصابت أكثر من 400 شخصا وبعضهم توفي، أما المواطنين فإنهم يلقون باللوم على حرق غاز شعلات النفط وعلى شركة شل، التي تنفي بدورها وتؤكد أن لديها أجهزة لمراقبة التلوث البيئي".

وطالب مدير ناحية النشوة، الحكومة الاتحادية، بـ"متابعة عمل اللجنة التي لم ترفع تقريرها حتى الآن، فضلا عن انصاف ذوي المتوفين بتعويض عادل وتشغيلهم بالشركات النفطية، بالإضافة إلى فتح مستشفى خاص أو وحدة مصغرة داخل الناحية لعلاج المصابين الذين لا يمتلكون أجور العلاج في وقت تعوم ناحيتهم والمحافظة عموما على بحر من النفط".

وكانت تحقيقات غربية أظهرت سابقا، أن عشرات الحقول النفطية التي تعمل فيها كبريات الشركات النفطية مثل بريتش بتروليوم BP وإيني ENI وإكسون موبيل MOBILEXXON وشيفرون CHEVRON وشل SHELL، لا يتم الإعلان فيها عن ملايين الأطنان من الانبعاثات الناتجة عن حرق "غاز الشعلة" الذي يرافق إنتاج النفط فيها.

وأوعز وزير النفط العراقي السابق، إحسان عبد الجبار، بوقت سابق، لجميع الشركات المتعاقد معها والعاملة في حقول النفط، بالالتزام بالمعايير الدولية، وذلك في تعليقه على التقارير التي تشير إلى تزايد الإصابات بالسرطان جراء الانبعاثات.

32 منطقة موبوءة

إلى ذلك، قال ممثل الفئة المصابة بالسرطان في ناحية النشوة، حسين عبد الواحد، إن "حالات الإصابة بالسرطان مستمرة في الظهور بالناحية، ففي الشهر الماضي توفي 7 أشخاص بينهم طفلان بالسرطان، وفي الشهر الحالي تم تسجيل إصابات جديدة أيضا بتلك الأمراض".

وأوضح عبد الواحد، خلال حديثه للوكالة، أن "الإصابات توزّع على مناطق الناحية جميعها البالغة 32 منطقة، لكن بنسب متفاوتة"، لافتا إلى أن "تقرير اللجنة الحكومية التي جاءت إلى البصرة ما يزال يتنقل بين رئاسة جامعة البصرة وبيئة المحافظة".

بيئة ملوثة

يعد التلوث وبأنواعه المختلفة (الماء، الهواء، التربة) واحدا من المشكلات الأساسية التي تسبب الأمراض للإنسان والضرر للبيئة، "تبدأ من أمراض بسيطة كتحسس في الجلد والعين والجهاز التنفسي، إلى الأمراض التي قد تسبب السرطانات والأمراض المستديمة والمستعصية على الإنسان والبيئة"، بحسب الخبير البيئي، محمد عبدالحميد.

ولفت عبد الحميد، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن "التعرض المباشر لغازات ثنائي أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين وثنائي أكسيد الكبريت والهيدروكربون من المصانع والمعامل المنتجات النفطية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية أو من مصافي النفط، تعد جميعها مصادر أساسية للغازات المسرطنة، ويكون تأثيرها على المدى البعيد".

وأضاف عبد الحميد، وهو أستاذ في جامعة بغداد، أن "هناك تأثيرات على المدى القصير، تشمل الإصابات المباشرة كإصابات تحسس العين واحمرارها، وحكة الجلد، أو إصابات في الجهاز التنفسي، أما على المدى البعيد فقد تتطور هذه الإصابات إلى حالات سرطانية أو إلى أمراض مستعصية".

وعن تلوث المياه، أكد أن "تلوث المياه بالمواد النفطية من زيوت وغيرها وعدم معالجتها بصورة صحيحة يؤدي إلى إصابة الجهاز الهضمي وجهاز الدوران بأمراض مختلفة نتيجة التعرض لهذا التلوث".

في غضون ذلك، قال الباحث في منظمة السلام الهولندية (PAX) والمساهم في موقع الصحافة الاستقصائية "بيلنغكات"، ويم زويغ نبرغ، إن "البصرة وحدها تحرق غازا أكثر من السعودية والصين والهند وكندا، لأنها موطن حقل الرميلة النفطي - ثالث أكبر حقل نفط في العالم- محذرا من أن البصرة ستكون غير صالحة للعيش في السنوات العشر المقبلة.

وفي أثناء ما تقدم، تفيد بيانات وزارة الصحة، بأن الشهر الماضي، جرى تشخيص أكثر من 30 ألف مصاب بالسرطان، يتلقون العلاج حاليا في العراق، فيما بينت أن السرطان أحد مسببات الوفيات العشر الأولى في البلد، ونسبة الإصابة فيه هي دون 80 حالة لكل 100 ألف مواطن.

Shafaq Live
Shafaq Live