نار فوق دجلة.. "شموع الخضر" تجمع الأديان بطقس عراقي واحد (صور)
شفق نيوز- بغداد
قبل أن تنطفئ ذروة الأزهار الربيعية، اعتادت سعاد علي كل عام أن تذهب برفقة جدتها ووالدتها إلى مقام الخضر على ضفاف نهر دجلة في بغداد لإحياء احتفال دافئ وموروث اجتماعي قديم، وهو إيقاد الشموع وتسريحها في الماء بأمل تحقيق أمنيات مختلفة.
وتقول علي لوكالة شفق نيوز: "نختار أنا وجدتي ووالدتي أول أربعاء من شهر أيار من كل عام، ونتوجه إلى مقام الخضر حيث تتجمع العائلات لإقامة احتفالية إشعال الشموع وتركها تسبح في النهر وهي تحمل أمنياتنا".
وتضيف: "نشعل عادة خمس شمعات أو أكثر أو قل بعدد أفراد كل عائلة، ومع كل شمعة تتقد في وي داخلنا الأمنيات ونحن نتضرع أن تتحقق".
ومنذ زمن طويل، توارث العراقيون عادات وتقاليد شعبية عديدة بقيت حاضرة في حياتهم جيلاً بعد جيل، رغم تغير الأزمنة وتبدل الظروف الاجتماعية والثقافية. ومن بين أبرز هذه الطقوس الشعبية التي حافظت على حضورها في المدن والأرياف القريبة من ضفتي دجلة والفرات، عادة "شموع الخضر"، حيث تتوجه العائلات في مناسبات معينة إلى ضفاف الأنهار لإيقاد الشموع وتركها تطفو فوق الماء وهي محمّلة بالأمنيات والدعوات.
ولم يتمكن الباحثون في الفلكلور الشعبي من تحديد زمن نشوء هذا التقليد أو الكيفية التي انتشر بها في العراق ودول مجاورة، فيما يرجح بعضهم أن يكون هذا الطقس متأثراً بعادات شعوب أخرى، ولا سيما بعض الطقوس الهندوسية المرتبطة بإيقاد الشموع فوق المياه لأغراض دينية وروحية منذ عصور قديمة.
ويُعد شهر أيار، بحسب الموروث الشعبي، من أكثر الأشهر ارتباطاً بطلب الأمنيات وتحقيق الرغبات، خاصة تلك المتعلقة بالرزق والزواج والفرج وتحقيق الأمنيات الصعبة، إذ يعتقد كثيرون أن "الخضر" الذي يراه البعض نبياً ويراه آخرون ولياً صالحاً، يتجلى خلال هذه الفترة، ما يدفع الناس إلى إشعال الشموع والتضرع بالدعاء.
وعادة ما يختار الناس أول أربعاء أو خميس من شهر أيار لإقامة هذا الطقس الشعبي، حيث يتم إشعال ما بين ثلاث إلى سبع شمعات، فيما يهمس أصحابها بأمنياتهم وأدعيتهم قبل وضعها فوق ألواح خشبية صغيرة أو على قواعد من سعف النخيل لتبدأ رحلتها فوق النهر.
ويقول الباحث الفلكوري علي الورد، لوكالة شفق نيوز، إن "ليالي الأربعاء والخميس تُعد من الليالي المباركة في العرف الشعبي العراقي، لذلك يتم اختيار إحداها لإيقاد شموع الخضر قرب ضفاف الأنهار، مصحوبة بالأمنيات والدعوات".
ويضيف أن "الشموع توضع غالباً على سعف نخيل أو قطع خشبية صغيرة ثم تُترك لتطفو فوق الماء، فيما يُعتقد أن استمرار الشمعة مشتعلة لمسافة طويلة دون أن تنطفئ يعد إشارة إلى استجابة الدعاء وتحقيق الأمنية".
ويشير الورد إلى أنه "لا توجد أدلة علمية أو نصوص دينية تؤكد هذه المعتقدات، لكنها ترسخت ضمن البعد النفسي والفلكلوري والاجتماعي لدى الناس، وتحولت إلى طقس يحمل الكثير من المتعة والرمزية"، موضحاً أن "ارتباط هذه العادة بشهر أيار يعود لكونه شهراً ربيعياً تتجدد فيه الحياة، فيما يُنظر إلى الخضر كشخصية حية تحضر في الأزمات وفق المعتقدات الدينية الشعبية".
وتنتشر مقامات الخضر في مناطق عديدة من العراق، من بينها مقام في منطقة الإسكندرية بمحافظة بابل، وآخر في المدحتية بالحلة، فضلاً عن مقامات أخرى في مدن مختلفة.
وقد لا يمتلك كثير ممن يمارسون هذا التقليد تفسيراً واضحاً له، إلا أنهم يشعرون براحة نفسية وروحية خلال أدائه.
عريس غني ومهذب!
وللفتيات حكاية خاصة مع مقام الخضر، إذ ما تزال بعض التقاليد الشعبية المتوارثة تشير إلى قيام الفتيات بخلع عباءاتهن ورميها داخل صحن المقام طلباً لتحقيق أمنية الزواج.
وتروي بيداء عبد الزهرة لوكالة شفق نيوز، أن "مقام الخضر يكتظ بالنساء في بعض المواسم، حيث تقوم زائرات برمي عباءاتهن أملاً بالزواج من عريس غني ومهذب".
وتوضح أن "المرأة التي تتحقق أمنيتها تقدم نذراً عبارة عن صينية تضم أنواعاً من الحلويات وورود الآس والجوري والقداح مع الشموع المضاءة، وسط زغاريد النسوة".
من جهتها، تقول نهال الزاكي، التي تسكن قرب مقام الخضر في منطقة العلاوي ببغداد، إن "إيقاد شموع الخضر يرتبط غالباً بالنساء اللواتي يرجون تحقيق أمنيات معينة مثل عودة غائب أو نجاح ولد أو الخلاص من محنة".
وتضيف لوكالة شفق نيوز أن "كثيراً من النساء ينذرن بإشعال الشموع إذا تحققت طلباتهن، لذلك يترقبن يوم الأربعاء من كل أسبوع لإيقاد الشموع بعد غروب الشمس".
وتتابع الزاكي، وهي فلسطينية مقيمة في العراق: "كان من المعتاد وضع الشموع على سعفة نخيل كبيرة أو لوح خشبي ثم دفعها في النهر مع ترديد عبارة: (ها يا لخضر جاك النذر ومني تقبله)، وتبقى المرأة تراقب الشموع حتى تختفي عن الأنظار".
وتوضح أن "انطفاء الشموع يُفسر على أنه إشارة لعدم تحقق الأمنية، بينما استمرارها مشتعلة يمنح النساء شعوراً بالتفاؤل".
وتستذكر الزاكي مشاهد طفولتها قائلة: "كنا ننتظر يوم الأربعاء لنشاهد أسراب الشموع القادمة عبر النهر من مناطق الجعيفر والعطيفية والأعظمية والكاظمية، وكنا نفرح حين تمر الشموع وهي مضاءة لأننا نعتقد أن أمنية صاحبتها ستتحقق".
واقترنت "شموع الخضر" بالأدب الشعبي العراقي، حيث تناولها شعراء وأدباء في أعمالهم، كما ارتبطت بأغانٍ شعبية شهيرة، أبرزها ما تغنى به الفنان الراحل ياس خضر:
“جيتك يشط متعني أنذرلك نذر
ليلة أربعا وأعلّك اشموع الخضر”
أديان في طقس واحد
وعلى مستوى الأديان، يؤكد شيخ طائفة الصابئة المندائيين في العراق ستار الحلو، لوكالة شفق نيوز، أن "الديانة المندائية لا تتضمن نصوصاً تشير إلى تقديم النذور للخضر"، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن "الخضر شخصية مقدسة وتحظى باحترام كبير لدى الصابئة كما هو الحال عند المسلمين وغيرهم".
أما لدى المسيحيين، فتقول ريا عموانوئيل من قضاء الحمدانية في نينوى، لوكالة شفق نيوز، إن "المسيحيين يعتقدون بأن مار إلياس هو ذاته الخضر المعروف في الموروث الإسلامي، لذلك تُقام له طقوس دينية وشعبية بينها إشعال الشموع".
وتوضح أن "الاختلاف يكمن في أن المسلمين يعقدون الأمنيات ويتوجهون بالدعاء إلى الله عبر الخضر، بينما ينظر المسيحيون إليه كشخصية مقدسة تُشعل لها الشموع تكريماً لروحه".
وهكذا بقيت "شموع الخضر" واحدة من الطقوس الشعبية العراقية التي تجاوزت الانتماءات الدينية والطائفية، لتتحول إلى موروث اجتماعي وثقافي يجمع العراقيين حول ضفاف الأنهار، محمّلاً بالأمنيات والحنين والبحث عن الأمل.