مليارات الخارج.. كيف يسترد العراق أموال الفساد العابرة للحدود؟
شفق نيوز- بغداد
مع اتساع حملات مكافحة الفساد في العراق، لم تعد المواجهة تقتصر على ملاحقة المتهمين داخل البلاد، بل انتقلت إلى تحد أكثر صعوبة يتمثل في استرداد الأموال العامة التي هُرِّبت إلى الخارج، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن استعادة هذه الأموال تمثل أولوية موازية لمحاسبة المتورطين.
وكان مجلس القضاء الأعلى قد أعلن مؤخراً استمرار التحقيقات في عدد من ملفات الفساد الكبرى، بالتزامن مع ضبط مبالغ نقدية ضخمة في قضية وكيل وزارة النفط السابق لشؤون التصفية عدنان الجميلي.
وكشف القضاء أيضاً، أمس الجمعة، عن آلية قانونية تهدف إلى الجمع بين محاسبة المتهمين واسترداد الأموال العامة، عبر السماح – في حدود ما يتيحه القانون – بتخفيف بعض الإجراءات أو العقوبات بحق من يعيد الأموال طوعاً.
استرداد الأموال
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع إعلان وزارة العدل، السبت الماضي، تمكنها من استرداد أكثر من 25 مليون دولار من الأموال العراقية خلال العامين الماضيين، مع استمرار ملاحقة أموال وعقارات وحسابات مصرفية في الخارج بالتنسيق مع هيئة النزاهة والجهات الدولية المختصة.
وفي ظل امتداد جانب من أموال الفساد إلى دول أخرى، يبرز تساؤل بشأن الآليات القانونية والدبلوماسية التي يمكن أن تعتمدها حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي لاسترداد تلك الأموال، ولا سيما مع وجود مطلوبين يقيمون خارج العراق واستثمارات يشتبه بأنها تعود إلى متهمين بقضايا فساد.
ويطرح مختصون إنشاء لجنة عليا مشتركة تضم هيئة النزاهة ومجلس القضاء الأعلى ووزارة الخارجية، تتولى إعداد الملفات القضائية الخاصة بالمتهمين والأموال المهربة، قبل مخاطبة الدول المعنية عبر القنوات الدبلوماسية، استناداً إلى الاتفاقيات الدولية النافذة وأحكام التعاون القضائي.
أولوية وطنية
وفي هذا السياق، يقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، صكر المحمداوي، إن "ملف استرداد الأموال المنهوبة يمثل أولوية وطنية لما له من أثر مباشر على حماية المال العام وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة".
ويضيف المحمداوي، لوكالة شفق نيوز، أن الجهات الحكومية مطالبة بـ"تكثيف جهودها القانونية والدبلوماسية، بالتعاون مع الدول والمنظمات الدولية، لتعقب الأموال المهربة واستعادتها وفق الأطر القانونية النافذة".
ويشدد على ضرورة "تعزيز الشفافية في متابعة هذا الملف وإطلاع الرأي العام على الإجراءات المتخذة والنتائج المتحققة، مع محاسبة جميع المتهمين بالفساد دون استثناء بما يعزز سيادة القانون ويحافظ على حقوق الشعب العراقي".
ويشير المحمداوي، إلى أن لجنة الأمن والدفاع تتابع التحقيقات الجارية المتعلقة بملفات الفساد، مؤكداً أن "استرداد الأموال المنهوبة ليس مجرد مطلب مالي، بل استحقاق وطني يعزز التنمية ويدعم الاقتصاد ويسهم في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين".
الخيارات القانونية
من جانبه، يرى الباحث السياسي والقانوني، أمير الدعمي، أن العراق يمتلك أدوات قانونية دولية يمكن توظيفها لاستعادة الأموال والأصول الموجودة خارج البلاد.
ويقول الدعمي، لوكالة شفق نيوز، إن "الاتفاقيات الدولية الموقعة بين العراق ودول العالم تتيح استرداد الأموال، ولا سيما بعد توقيع اتفاقية تعاون بين القضاء العراقي ومنظمة (يوروجست) الأوروبية لتبادل المعلومات والمطلوبين والأموال".
ويضيف أن هذه الآليات "تمكن العراق من تعقب الأموال واستعادتها، فضلاً عن أن المجتمع الدولي، خصوصاً الولايات المتحدة، يدعم حملة مكافحة الفساد، وهو ما قد ينعكس على مستوى التعاون مع العراق في استرداد الأموال والمطلوبين للقضاء".
التعاون الدولي
بدوره، يؤكد المستشار القانوني، الدكتور سعد البخاتي، أن استرداد الأموال المهربة لا يتحقق بالأحكام القضائية وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة من التعاون القضائي والدبلوماسي.
ويوضح البخاتي، لوكالة شفق نيوز، أن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003، التي انضم إليها العراق، تعد الإطار القانوني الدولي الأهم لاسترداد الموجودات، إذ تلزم الدول الأطراف بتقديم المساعدة القانونية المتبادلة، وتجميد الحسابات المصرفية، وحجز الأموال والأصول ومصادرتها وإعادتها متى ثبت أنها متحصلة من جرائم فساد.
ويبيّن أن عملية الاسترداد تبدأ بإجراء تحقيقات مالية داخل العراق لتحديد الأموال محل الجريمة، ثم إصدار أوامر قضائية بالحجز أو المصادرة، يعقبها تقديم طلبات رسمية إلى الدول التي توجد فيها تلك الأموال، مدعومة بالأدلة والقرارات القضائية، وفق الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف أو مبدأ المعاملة بالمثل.
ويتابع البخاتي حديثه أن الحكومة مطالبة أيضاً بتفعيل التعاون مع الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، والاستفادة من مبادرة استرداد الأصول المنهوبة التابعة للأمم المتحدة والبنك الدولي، إلى جانب تشكيل فرق وطنية متخصصة تضم قضاة ومدعين عامين وخبراء ماليين ومحققين في غسل الأموال، لتتبع حركة الأموال عبر الحدود وكشف الشركات الوهمية والحسابات المستخدمة لإخفائها.
ويرى أن نجاح الحكومة في هذا الملف "لا يقاس بعدد الأحكام القضائية الصادرة، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تجمع بين قوة التشريع واستقلال القضاء وكفاءة الأجهزة الرقابية والتعاون الدولي الفاعل".
ويختتم البخاتي، حديثه بالقول إن "مكافحة الفساد لا تكتمل إلا باسترداد المال العام إلى خزينة الدولة، لأن العدالة الحقيقية تتحقق بمحاسبة الفاسد وإعادة الحقوق إلى أصحابها".