مستحقات فلاحي العراق.. أزمة "الذهب الأصفر" بين التأخير المالي وضغط المواسم

مستحقات فلاحي العراق.. أزمة "الذهب الأصفر" بين التأخير المالي وضغط المواسم تظاهرة للفلاحين في بغداد للمطالبة بمستحقاتهم/ وكالة شفق نيوز
2026-05-11T20:38:45+00:00

شفق نيوز- بغداد/ النجف

يتحول موسم الحصاد في العراق، الذي يفترض أن يكون خاتمة دورة إنتاجية شاقة وبداية استعداد لموسم جديد، إلى محطة قلق وضغط مالي متصاعد للفلاحين مع استمرار تأخر صرف مستحقات تسويق الحنطة والشعير، المعروفين بالذهب الأصفر.

ففي وقت ترتفع فيه تكاليف الزراعة بصورة ملحوظة، من أسعار البذور والأسمدة إلى أجور العمالة والري والنقل، يجد آلاف المزارعين أنفسهم أمام معادلة صعبة: محصول تم تسليمه للدولة، ووثائق رسمية تثبت ذلك، لكن الأموال ما تزال معلقة بين الإجراءات الإدارية والضائقة المالية العامة.

ولا تبدو الأزمة محصورة في تأخر دفعات مالية فحسب، بل تمتد إلى التأثير المباشر في قدرة الفلاحين على الاستمرار بالإنتاج، وعلى استقرار الأمن الغذائي المحلي، في بلد يضع الحنطة في صدارة محاصيله الإستراتيجية.

موسم ينتهي بالحسابات المؤجلة

في أطراف محافظة النجف، يروي الفلاح أبو علي صورة تختصر جانباً من واقع المزارعين العراقيين. فبعد موسم كامل من العمل اليومي الذي يبدأ قبل الفجر ويمتد عبر أشهر الحرث والسقي ومواجهة تقلبات الطقس، سلّم محصوله من الحنطة إلى الجهات الحكومية، لكنه لم يتسلم مستحقاته المالية حتى الآن.

ويقول لوكالة شفق نيوز: "عملنا سنة كاملة في الأرض، حرث وسقي وتحملنا ظروف الطقس من حرارة وبرودة حتى نصل إلى محصول يغطي الديون".

ويضيف أن المشكلة بدأت بعد إكمال التسليم الرسمي للمحصول إلى المخازن الحكومية، إذ تسلّم وثيقة تثبت ذلك، إلا أن الدفعات لم تُصرف رغم مرور أسابيع.

ويشير إلى أن مراجعاته المتكررة للدوائر المعنية لم تسفر عن نتيجة واضحة، إذ يتلقى في كل مرة إجابات مؤجلة من قبيل: "راجع الأسبوع المقبل أو المعاملة قيد التدقيق".

هذا التأخير، بحسب أبو علي، لم يعد مجرد إرباك إداري، بل تحول إلى ضغط اقتصادي مباشر دفعه إلى الاستدانة وبيع جزء من ممتلكاته لتمويل الموسم الزراعي الجديد، قائلاً: "اضطررت لبيع ذهب زوجتي حتى أتمكن من الاستمرار بالزراعة".

المستحقات شريان حيوي

اقتصادياً، لا تمثل مستحقات الحنطة والشعير أرباحاً مؤجلة للفلاحين بقدر ما تمثل رأس المال التشغيلي للموسم التالي.

فالفلاح العراقي يعتمد غالباً على إيرادات الحصاد لتسديد ديون الموردين، ودفع أجور العمال، وتأمين البذور والأسمدة، فضلاً عن صيانة المعدات وشبكات الري. وعندما تتأخر هذه الأموال، يدخل المنتج الزراعي في دائرة اقتراض جديدة، غالباً بكلف أعلى ومخاطر أكبر.

وبذلك، فإن تأخر الصرف لا ينعكس على الموسم المنتهي فقط، بل يهدد الدورة الزراعية اللاحقة بأكملها، ويضعف قدرة المزارع على اتخاذ قرارات إنتاجية مستقرة.

البرلمان: تبخيس للمنتج المحلي

النائب عدي الزاملي يضع الأزمة في إطار أوسع من مجرد مشكلة إجرائية، معتبراً أن الفلاح يمثل "الركيزة الأساسية للاقتصاد" لكنه يواجه ما وصفه بـ"تبخيس حقوقه".

ويقول لوكالة شفق نيوز إن "الدولة لا تتعاون مع الفلاح كما يجب، رغم أنه أساس تحريك السوق المحلية".

ويربط الزاملي بين أزمة المستحقات والتحولات البنيوية التي شهدها القطاع الزراعي العراقي خلال العقود الماضية، مشيراً إلى أن العراق كان في السابق من كبار منتجي التمور والزيوت النباتية والقطن، إلا أن هذه المحاصيل تراجعت تدريجياً مقابل اتساع الاعتماد على الاستيراد.

وفي ما يتعلق بملف الحنطة، يؤكد أن المفترض أن تُدفع المستحقات كاملة عند تسليم الغلة، لكن الفلاح ينتظر بعد أشهر من التسليم دون استلام حقوقه.

ويرى أن أسباب التأخير تعود إلى الأزمة المالية العامة، وتأخر إقرار الموازنة، إلى جانب التعقيدات الإدارية في آليات التدقيق والصرف.

رد حكومي

من جانبه، يؤكد مستشار وزارة الزراعة العراقية مهدي ضمد القيسي أن مستحقات الفلاحين معلومة ومحددة، نافياً وجود غموض في أصل الالتزامات المالية.

ويقول لوكالة شفق نيوز إن مستحقات الفلاحين "تشبه راتب الموظف، وإذا تأخر يتضرر".

ويضيف أن الحكومة تعمل على معالجة الملف عبر توجيهات صدرت بعد لقاءات رسمية مع اتحاد الجمعيات الفلاحية، فضلاً عن قرارات لمجلس الوزراء قضت بإدراج هذه المستحقات ضمن أولويات الصرف.

ويشدد القيسي على أن الحنطة محصول إستراتيجي تعتمد عليه الدولة في السلة الغذائية، وأن استمرار الإنتاج المحلي يرتبط مباشرة بانتظام دفع المستحقات.

هذا الموقف يكشف أن الدولة لا تختلف مع الفلاحين بشأن أصل الاستحقاق، بل إن جوهر الأزمة يتمثل في توقيتات التمويل والسيولة وآليات التنفيذ.

احتجاجات تكشف عمق الأزمة

خلال الأسابيع الماضية، خرج فلاحون من محافظات عدة، بينها النجف وكربلاء والديوانية وبابل، في احتجاجات ببغداد طالبوا خلالها بصرف مستحقات موسم 2025، وتعديل تسعيرة الحنطة، وإلغاء بعض إجراءات التسويق، وتعويض المتضررين من السيول والجفاف.

وتشير هذه الاحتجاجات إلى أن الأزمة تجاوزت نطاق المطالب القطاعية الضيقة، لتتحول إلى ملف اقتصادي واجتماعي يلامس شريحة واسعة من المنتجين الزراعيين.

كما تحدث مشاركون في تلك الاحتجاجات عن تعرض بعض التظاهرات للتفريق بالقوة، الأمر الذي دفع الحكومة لاحقاً إلى فتح تحقيقات وإصدار توجيهات بمتابعة المطالب.

فجوة متسعة

وتكشف إفادات فلاحين ومسؤولين أن المشكلة لا تتوقف عند تأخر الصرف، بل تمتد إلى اتساع الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر شراء المحصول.

فخلال المواسم الأخيرة ارتفعت أسعار الأسمدة والبذور والنقل والطاقة بصورة لافتة، بينما يرى مزارعون أن الأسعار الحكومية، رغم وصفها بأنها داعمة، لا تعكس دائماً الارتفاع الفعلي في النفقات التشغيلية.

وهنا تبرز معضلة مركبة: فحتى عندما يكون السعر مجزياً نظرياً، فإن تأخر صرفه يفقده جزءاً من قيمته الاقتصادية، لأن الفلاح يكون قد اضطر إلى الاقتراض أو بيع موجودات لتغطية التزاماته العاجلة.

ما الذي تكشفه الأزمة؟

قراءة أعمق للملف تشير إلى أن أزمة مستحقات "الذهب الأصفر" ليست مجرد تأخر إداري موسمي، بل تعكس اختلالاً في العلاقة بين السياسة الزراعية والسياسة المالية.

فالدولة تعتمد على الحنطة في إدارة الأمن الغذائي والحفاظ على استقرار أسعار الطحين والمخزون الإستراتيجي، لكنها في المقابل لا تزال تواجه تحدياً في تحويل هذا الالتزام الإستراتيجي إلى تدفق مالي منتظم ومضمون للمزارعين.

وفي غياب انتظام الصرف، يتحول الفلاح إلى ممول مؤقت للسياسة الغذائية العامة، يتحمل وحده كلفة التأخير والمخاطر المالية، وهو وضع يضعف الحوافز الإنتاجية على المدى المتوسط.

الأمن الغذائي واستدامة الإنتاج

في المقابل، تؤكد الجهات الحكومية أنها تواصل شراء الحنطة بأسعار داعمة، وتعمل على الحفاظ على استقرار أسعار الطحين، وإدارة مخزون استراتيجي يغطي الحاجة المحلية.

لكن المعادلة الأهم تبقى مرتبطة باستدامة الإنتاج المحلي.

فالأمن الغذائي لا يتحقق فقط عبر شراء المحصول، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل تسعيراً واقعياً، وصرفاً منتظماً، وآليات تسويق واضحة، وسياسة زراعية قادرة على حماية المنتج المحلي من تقلبات التمويل والإدارة.

وفي ظل استمرار الضغوط المالية الحالية، يطرح الفلاحون سؤالاً جوهرياً يتجاوز موسم الحصاد نفسه: إذا كانت الحنطة تمثل الذهب الأصفر للعراق، فأين تختفي أموالها عندما يحين موعد السداد؟.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon