"ضحايا لا صوت لهم".. أطفال العراق يدفعون ثمن الانفصال

"ضحايا لا صوت لهم".. أطفال العراق يدفعون ثمن الانفصال
2026-08-04T21:07:20+00:00

شفق نيوز- بغداد

لم يكن أمير خلدون يدرك، وهو في الخامسة من عمره، أن انفصال والديه سيترك جرحاً نفسياً يرافقه حتى سنوات شبابه، فالخوف من الأصوات المرتفعة، وهاجس الفقد، وضعف الثقة بالنفس، تحولت جميعها إلى جزء من حياته اليومية، لتصبح طفولته شاهداً على الأثر العميق الذي قد يتركه الطلاق في نفوس الأطفال.

ويروي خلدون، وهو أحد أبناء الأسر التي انتهى فيها الزواج بالانفصال، تفاصيل طفولة يقول إنها ما تزال تطارده حتى اليوم، حيث يقول لوكالة شفق نيوز: "منذ أن كان عمري خمس سنوات وأنا أخاف من الأصوات المرتفعة، وأعيش هاجس الفقد وما زلت أشعر أن شيئاً ينقصني منذ انفصال والدي".

ويضيف: "نشأت ضعيف الشخصية، أخشى كل شيء، حتى إن المقربين مني كانوا يلقبونني بـ(صاحب الدمعة اللامعة)، لأنني كنت كثير البكاء والحزن بسبب انفصال والدي، لم أجد من يحتويني نفسياً، فكبرت بين الإهمال وقسوة الظروف، وما زلت أحمل آثار تلك المرحلة إلى اليوم".

ولا تعد قصة أمير خلدون استثناءً، إذ يرى مختصون أن الطلاق من أكبر الهزات التي قد تتعرض لها الأسرة، لما يتركه من آثار نفسية واجتماعية تمتد إلى الأطفال، وقد تستمر معهم لسنوات طويلة إذا لم تتوافر برامج متخصصة للدعم والرعاية.

ويؤكد مختصون أن انفصال الوالدين يخلق حالة من القلق والحيرة لدى الأطفال نتيجة التغيرات المفاجئة التي تطرأ على حياتهم اليومية، كما يزيد من احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب واضطرابات السلوك وصعوبات التكيف الاجتماعي، فضلاً عن تنامي مشاعر الخوف من المستقبل وفقدان الإحساس بالأمان.

إحصائيات مقلقة

ومع الارتفاع المتواصل في معدلات الطلاق في العراق، تتزايد المطالب بإنشاء برامج حكومية متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي، لمساعدة الأطفال على تجاوز آثار الانفصال، والحد من انعكاساته السلبية على نموهم النفسي والعاطفي.

ووفقاً لإحصاءات مجلس القضاء الأعلى، سجلت محاكم العراق، باستثناء إقليم كوردستان، 6250 حالة طلاق خلال شهر حزيران/ يونيو الماضي، بمعدل يقارب 208 حالات يومياً، وهو رقم يسلط الضوء على اتساع الظاهرة وما تفرضه من تحديات اجتماعية ونفسية، لا سيما على الأطفال الذين يجدون أنفسهم الطرف الأكثر تأثراً بتفكك الأسرة.

وفي مقابل هذا الارتفاع، يرى مختصون أن برامج الدعم النفسي الموجهة للأطفال ما تزال محدودة، فيما تفتقر العديد من المؤسسات التعليمية والاجتماعية إلى آليات واضحة لرصد الأطفال المتضررين من الطلاق ومتابعة أوضاعهم النفسية، الأمر الذي يجعل كثيراً منهم يواجهون آثار الانفصال بمفردهم، دون رعاية أو تدخل متخصص.

وترى أستاذة أدب الأطفال في الجامعة المستنصرية، طاهرة داخل، أن معالجة الآثار النفسية للطلاق لا يمكن أن تقتصر على الجوانب المادية، بل تتطلب وجود مؤسسات متخصصة تتولى تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال.

وتتحدث داخل، لوكالة شفق نيوز، قائلة إن العراق بحاجة إلى إنشاء مؤسسات حكومية متخصصة تُعنى بالدعم النفسي والاجتماعي والتربوي للأطفال الذين يواجهون آثار انفصال والديهم، مؤكدة أن رعاية هذه الفئة يجب أن تستند إلى برامج علمية وخطط مدروسة تتابع الحالة النفسية للطفل وتقيس مدى تعافيه وتقدمه.

وتشير إلى أن توفير النفقة المادية لا يكفي لضمان تنشئة طفل يتمتع بصحة نفسية سليمة، إذ يحتاج إلى الشعور بالأمان العاطفي والارتباط الوجداني بكلا والديه، محذرة من أن إضعاف هذه العلاقة أو قطعها، من دون أن تقتضي مصلحة الطفل ذلك، قد يترك آثاراً نفسية عميقة تمتد إلى مراحل متقدمة من حياته.

وتوضح أن نتائج بحوثها بشأن "الطفولة الضائعة في العراق" أكدت أهمية تخصيص موازنات مالية لإنشاء مؤسسات وبرامج متخصصة بحماية الأطفال ودعمهم نفسياً واجتماعياً، معتبرة أن توجيه جزء من الإنفاق العام نحو رعاية الطفل العراقي من شأنه أن يسهم في تعزيز استقراره النفسي والاجتماعي.

الدور التربوي

من جهتها، تؤكد رئيسة منظمة "أليس" للأسرة والطفل، مريم الفرطوسي، خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، أن غياب برامج الدعم النفسي للأطفال بعد الطلاق يفاقم من حجم المشكلات التي يواجهونها، داعية إلى تفعيل دور المؤسسات التربوية والاجتماعية في احتواء هذه الفئة.

وتلفت الفرطوسي، إلى أن المرشدين التربويين في المدارس عليهم أداء دور أكثر فاعلية في رصد الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية ناجمة عن الخلافات الأسرية أو الطلاق، والعمل على مساعدتهم قبل تفاقم مشكلاتهم.

وتتابع أن ضعف دور المرشد التربوي، إلى جانب غياب برامج الدعم النفسي في المؤسسات المعنية، يسهم في تفاقم الاضطرابات النفسية لدى الأطفال، وقد يقود بعضهم إلى الانحراف السلوكي، مشيرة كذلك إلى محدودية دور الباحثين الاجتماعيين في محاكم الأحوال الشخصية.

وتضيف أن الطفل غالباً ما يكون الضحية الأولى أثناء إجراءات الانفصال، إذ يشهد لحظات التفريق بين والديه داخل المحكمة من دون أن يتلقى أي دعم نفسي يساعده على تجاوز الصدمة.

وفي المقابل، يؤكد الباحث الاجتماعي نبراس علي، العامل في إحدى محاكم الأحوال الشخصية، أن الباحثين الاجتماعيين يواجهون يومياً عشرات القضايا المتعلقة بالخلافات الزوجية والنفقة والحضانة، إلا أن قدرتهم على التدخل تبقى محدودة في ظل تعقد كثير من النزاعات.

ويقول علي، لوكالة شفق نيوز: "نأخذ في الاعتبار عمر الطفل وحالته النفسية وميوله، فضلاً عن قدرة كل من الأب أو الأم على توفير بيئة مستقرة، كما ندرس الظروف المادية والاجتماعية والسلوكية للأسرة، ثم نرفع تقريراً مهنياً إلى القاضي لمساعدته في اتخاذ القرار الذي يحقق مصلحة الطفل".

وبحسب حديث المتخصص بعلم الاجتماع، فإن دور الباحث الاجتماعي يتركز على محاولة الإصلاح وتقريب وجهات النظر بين الزوجين قبل إتمام الطلاق، مشيراً إلى أن بعض الباحثين ينجحون في إقناع الأزواج بالعدول عن الانفصال حفاظاً على الأسرة والأطفال، إلا أن هذه الحالات تبقى محدودة مقارنة بالأعداد المتزايدة لحالات الطلاق.

ويعتبر أن الباحث الاجتماعي قد يوصي، في حالات استثنائية، بإيداع الطفل في إحدى دور الرعاية الاجتماعية إذا تبين أن بقاءه مع أي من الوالدين سيعرضه لخطر نفسي أو اجتماعي، مؤكداً أن مثل هذه التوصيات تخضع لضوابط قانونية وتهدف إلى حماية مصلحة الطفل أولاً.

قصص من الواقع

وبينما تعكس الإحصاءات اتساع ظاهرة الطلاق في العراق، تجسد قصة ضحى شاهين، وهو اسم مستعار لفتاة عاشت تجربة انفصال والديها ثم مرت بالتجربة نفسها لاحقاً، الأثر الممتد الذي يمكن أن تتركه تلك الصدمة في حياة الأطفال.

وترى ضحى، خلال حديثها لوكالة شفق نيوز: "كنت في السابعة من عمري عندما رأيت والديّ للمرة الأخيرة تحت سقف واحد، لم أكن أدرك آنذاك معنى الطلاق، لكنني كنت أفهم أن البيت الذي اعتدت أن أنام فيه بأمان لم يعد كما كان".

"كبرت وأنا أحمل آثار تلك التجربة. كنت أتجنب الخلافات، وأخشى تكوين أسرة تنتهي بالمصير نفسه، لكنني مررت بالتجربة ذاتها، واليوم لدي ثلاثة أطفال يعيشون الجرح الذي عشته في طفولتي. لم أكن أعرف كيف أتجاوز انفصال والدي، ولم أدرك أن الحياة يجب أن تستمر"، وفقاً لضحى.

وتصف الفتاة، طفولتها بأنها "مرحلة من الوحدة أكثر من كونها مرحلة للعب"، مؤكدة أن آثار الانفصال لم تغادرها رغم مرور السنوات.

في حين، تؤكد الباحثة الاجتماعية مناهل الصالح، أن الأطفال يتفاعلون مع الطلاق بطرق مختلفة تبعاً لأعمارهم وطبيعة البيئة التي يعيشون فيها، إلا أنهم يشتركون جميعاً في الشعور بفقدان الاستقرار والأمان.

وفي حديث لوكالة شفق نيوز، توضح الصالح، أن الأطفال الصغار قد يشعرون بالحيرة أو حتى بالذنب، معتقدين أنهم السبب في انفصال والديهم، بينما يميل المراهقون إلى التعبير عن مشاعرهم بالغضب أو الانسحاب الاجتماعي، وهو ما قد ينعكس سلباً على صحتهم النفسية وعلاقاتهم بالآخرين.

كما تستطرد في حديثها، أن انعدام التواصل بين الوالدين بعد الطلاق يزيد من العبء النفسي على الطفل، كما أن التغيرات الجذرية، مثل الانتقال إلى منزل جديد أو تغيير المدرسة، تفقده الإحساس بالأمان وتجعله يشعر بأن حياته انقلبت رأساً على عقب، الأمر الذي يصعّب عليه التكيف مع واقع جديد يفرض عليه التنقل بين منزلين منفصلين.

وتؤكد الصالح، أن استمرار الصراع بين الوالدين ينعكس على شخصية الطفل، وقد يؤدي إلى ضعف ثقته بنفسه، وانخفاض قدرته على بناء علاقات اجتماعية مستقرة، فضلاً عن شعوره بأن العلاقات الإنسانية مؤقتة وغير آمنة، مؤكدة أهمية التواصل الصريح مع الأطفال بعد الطلاق، وشرح أسباب الانفصال بطريقة تتناسب مع أعمارهم، مع التأكيد أنهم ليسوا مسؤولين عما حدث، وإتاحة المجال لهم للتعبير عن مشاعرهم بحرية، إلى جانب استمرار تعاون الوالدين في رعايتهم رغم انتهاء العلاقة الزوجية.

ويجمع مختصون على أن الأطفال يظلون الحلقة الأضعف في معادلة الطلاق، وأن توفير النفقة أو حسم الحضانة لا يكفيان لحمايتهم من الآثار النفسية الممتدة.

ويرون أن إنشاء برامج وطنية للدعم النفسي داخل المدارس ومحاكم الأحوال الشخصية ومؤسسات الرعاية الاجتماعية بات ضرورة ملحة، في ظل الارتفاع المستمر بمعدلات الطلاق، لضمان ألا يتحول الانفصال بين الزوجين إلى جرح دائم يرافق الأبناء طوال حياتهم.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon