"إسعاف مؤقت".. هل يكتفي العراق بـ"12/1" بدلاً عن الموازنة؟
شفق نيوز- بغداد
للعام الثاني على التوالي، يسير البلد وفق نظام الإدارة المالية "12/1" الذي يضمن توفير النفقات التشغيلية فقط، وأبرزها الرواتب، في ظل غياب موازنة عامة تحدد أبواب الصرف، وتضمن وجود مشاريع استثمارية وحصص للمحافظات وتطوير بمختلف القطاعات الحيوية في البلد.
ويتزامن غياب الموازنة، مع تذبذب كبير في أسعار النفط، بين هبوط وارتفاع حسب المتغيرات السياسية في المنطقة، إلى جانب أزمة بالسيولة النقدية في البلد، ما يحول نظام إدارة البلد المالي، إلى "آلة" لتسديد مستحقات الموظفين والمتقاعدين لا غير، دون أي نشاط آخر.
ما يجري، وصف من قبل متخصصين بالشأن الاقتصادي، بأنه "أزمة كبيرة"، وله تأثيرات سلبية، رغم إشارتهم إلى أن قلة الإيرادات المالية أدت لعدم تقديم أي موازنة العام الماضي، وهو ما ستفعله الحكومة الجديدة أيضاً.
الاكتفاء بـ"12/1"
ويعد الجزء الأكبر من الموازنة العامة للبلد، بشكل عام، هو التشغيلي، الذي يتضمن محددات الانفاق الأساسية للوزارات والرواتب والوقود والبطاقة التموينية، لتشكل الموازنة الاستثمارية ما نسبته أقل من 30% في العادة، بالتالي فإن البلد يسير وفق نظام "12/1" بطريقة أو بأخرى، كما يرى الخبير الاقتصادي نبيل جبار العلي.
ووفقاً للعلي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، فإن الحكومة العراقية الجديدة، قد تكتفي بالسير على هذا النظام، لكونه يضمن توفير النفقات التشغيلية، والسبب الأساسي هو عدم توفر إيرادات كبيرة تكفي لتحقيق مشاريع وغيرها، بسبب انخفاض أسعار النفط، وهذا السبب الذي دفع أيضاً الحكومة لعدم تمرير موازنة في العام الماضي.
ويرى أن الحكومة الجديد ستكتفي بالسير على هذا النظام، ولن تقدم موازنة، وعندما تقدمها في العام المقبل، ستتجه لتسديد الديون، وأبرزها المقاولين والشركات.
وينص قانون الإدارة المالية في العراق، المعدل سنة 2019، على أن الصرف يكون بنسبة "12/1" فما دون من إجمالي المصروفات الفعلية للنفقات الجارية للسنة المالية السابقة، بعد استبعاد المصروفات غير المتكررة، على أساس شهري ولحين المصادقة على الموازنة العامة الاتحادية.
كما نصت فقرته الثالثة: في حال عدم اقرار مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لسنة مالية معينة تعتبر البيانات المالية النهائية للسنة السابقة أساساً للبيانات المالية لهذه السنة وتقدم إلى مجلس النواب لغرض إقرارها.
ومر العام 2015، دون تقديم الحكومة لجداول الموازنة الثلاثية، التي من المفترض أن يقرها البرلمان، وفي حينها سرت أنباء بأن الحكومة امتنعت عن تقديمها لتزامنها مع الانتخابات، وحتى لا تستغل من قبل بعض الاطراف السياسية.
وأقرت الحكومة "منتهية الولاية"، موازنة ثلاثية للأعوام 2023، 2024، 2025، واعتبرت الأعلى بتاريخ العراق، حيث تجاوزت قيمة كل موازنة فيها 200 تريليون دينار، بعجز بلغ 60 تريليون لكل منها.
"إسعاف مؤقت"
غياب الموازنة ليس بـ"الأمر البسيط"، كما يرى المختص بالشأن الاقتصادي علي كريم إذهيب، بل يؤدي إلى توقف البلد، من ناحية المشاريع والتعيينات، خاصة في ظل وجود أزمة مالية حاليا ونقص بالسيولة النقدية.
ويبين إذهيب، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن الدولة تعتمد بشكل شبه كامل على النفط، وعند انخفاض الأسعار، تتجه الامور لـ"التخبط"، لعدم وجود تخطيط مالي في البلاد.
ويؤكد أن أثر غياب الموازنة ينعكس بشكل مباشر على المواطن، من ناحية قلة فرص العمل وضعف الخدمات، كما أن المستثمرين يترددون بالدخول للسوق العراقية لعدم وجود رؤية مالية مستقرة، بالتالي استمرار هذا الوضع يهدد استقرار الاقتصاد الكلي للبلد.
ويرى إذهيب، أن الاعتماد على نظام "12/1" لفترة طويلة ليس حلاً، فهو "إجراء إسعافي مؤقت"، وليس سياسة مالية تدار بيها دولة بحجم العراق.
ويشير إلى أن نظام "12/1" يجعل الصرف محدود بالرواتب والنفقات التشغيلية، أي لا يوجد مجال لإطلاق مشاريع جديدة أو استكمال مشاريع متوقفة، وبهذه الحالة فإن الشركات والمقاولين أكثر المتضررين، لأن مستحقاتهم تتأخر، وبعضهم يضطر يوقف عمله أو حتى ينسحب نهائياً، وهذا يسبب بطالة ويضرب السوق المحلية.
ويستطرد أن الاعتماد على هذا النظام، يخلق حالة عدم ثقة بالبيئة الاقتصادية، ويجعل المستثمر متردداً، سواء كان محلي أو أجنبي.
ورغم إجراء الانتخابات في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، إلا أن الحكومة الحالية لم تتشكل لغاية الآن، بل ما يزال البرلمان يبحث ملف انتخاب رئيس الجمهورية، الذي بدوره يكلف مرشح الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة، وسط خلافات سياسية بين الكتل السياسية كافة حول إكمال الرئاسات الثلاث.
وتجري حالياً اجتماعات مكثفة ووفود بين مختلف القوى، لغرض التوصل لحسم لإكمال تشكيل الرئاسات، وسط توقعات بأن تستمر الأزمة لفترة أخرى، خاصة وأن التوقيتات تتضمن مهلة 30 يوماً لمرشح الكتلة الأكبر بعد تكليفه من قبل رئيس الجمهورية، حتى يقدم حكومته ويمنحه البرلمان ثقته.
"إفلاس"
ويكشف الخبير الاقتصادي، مصطفى الفرج، أن بعض الشركات والمقاولين أعلنوا إفلاسهم واتجهوا لتصفية آلياتهم وشركاتهم بسبب عدم سداد مستحقاتهم من الدولة نظرا لغياب الموازنة، وهذا يضاف له توقف التعيينات وفرص العمل بالقطاع الخاص، بالتالي فغياب الموازنة للعام الحالي سيضاعف من الأزمة.
ووفقاً للفرج في حديثه لوكالة شفق نيوز، فإن الحكومة الجديدة لن تتشكل قبل منتصف العام حسب المعطيات، وهذا لن يمكنها من تقديم أي موازنة وسترحلها للعام المقبل.
وعن أثر غيابها، يؤكد أن غياب الموازنات هو خطأ كبير، ولا يوجد بلد يمضي دون موازنة ويكتفي بالتشغيلية فقط، فهذا سيوقف المشاريع بالكامل والترفيعات ويؤثر على المواطنين والموظفين.