11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

"ذو الفقار" الأكثر طلباً.. آخر صانعي السيوف في كركوك يصارعون الاندثار (صور)

"ذو الفقار" الأكثر طلباً.. آخر صانعي السيوف في كركوك يصارعون الاندثار (صور)
2026-07-10T12:28:22+00:00

شفق نيوز- كركوك

بين وهج النار المتصاعد من "الكورة"، ورنين المطرقة الذي يملأ أزقة سوق كركوك الكبير، يبدأ الحديد رحلته الطويلة ليصبح سيفاً لامعاً.

ورغم أن الحطب الذي كان يشعل أفران الحدادة لعقود طويلة استُبدل اليوم بالغاز والكهرباء، فإن النار بقيت العنصر الأهم في هذه الحرفة، فهي التي تمنح الحديد ليونته قبل أن يتحول، بين يدي الحداد، إلى نصل يحمل تاريخاً يمتد لمئات السنين.

ولسنوات طويلة، كان سوق كركوك الكبير واحداً من أشهر الأسواق العراقية في صناعة السيوف والخناجر، إذ ضم عشرات الورش والمتاجر التي كانت تصنع السيوف يدوياً وتستقبل الزبائن من مختلف المحافظات، فضلاً عن التجار القادمين من خارج العراق، لكن هذه الصناعة أخذت تتراجع تدريجياً مع دخول السيوف المستوردة وإغلاق معظم الورش القديمة، حتى لم يبقَ اليوم في سوق كركوك سوى حرفيين اثنين يواصلان العمل، في محاولة للحفاظ على مهنة توارثتها عائلات المدينة جيلاً بعد جيل.

ويقول أحد أقدم صانعي السيوف في سوق كركوك، عماد البياتي، إن "علاقته بهذه المهنة بدأت قبل أن يدرك تفاصيلها"، مضيفاً: "كان عمري عامين فقط عندما كنت أرافق والدي ووالدتي إلى متجرنا في سوق كركوك الكبير، وهناك بدأت رحلتي مع صناعة السيوف، فقد نشأت بين أصوات المطرقة ورائحة الحديد الساخن".

ويوضح البياتي، لوكالة شفق نيوز، أن سوق كركوك كان يضم في الماضي عشرات الورش التي يعمل فيها حدادون ونقاشون وحرفيون متخصصون في صناعة مقابض السيوف وأغمادها، إلا أن أغلب هذه الورش أغلقت أبوابها بسبب تراجع الإقبال على الصناعة المحلية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ومنافسة المنتجات المستوردة التي اجتاحت الأسواق العراقية خلال السنوات الأخيرة.

ويؤكد أن السيف العراقي لم يعد يُستخدم كما كان في الماضي، بل تحول إلى قطعة تراثية يقتنيها هواة جمع التحف، أو تُقدَّم هدية في المناسبات الرسمية والعشائرية، فضلاً عن استخدامها في بعض الطقوس الصوفية والمهرجانات التراثية.

ويبين أن أكثر السيوف طلباً في الأسواق العراقية هو سيف الإمام علي (ذو الفقار)، لما يحمله من رمزية دينية وتاريخية، إذ يحرص كثير من المواطنين على اقتنائه وتعليقه في المنازل أو المضايف، أو تقديمه هدية، إلى جانب السيوف العربية والعثمانية التي ما تزال تحظى بإقبال محبي التراث.

صناعة السيف تجمع بين النار والخبرة

ورغم أن أدوات الحدادة تطورت، وأصبحت الأفران الحديثة تعمل بالغاز والكهرباء بدلاً من الحطب، فإن البياتي يشير إلى أن جوهر المهنة لم يتغير، فالنار ما تزال المعيار الحقيقي في تشكيل الحديد، وهي التي تحدد جودة النصل وصلابته، بينما تبقى خبرة الحداد العامل الأهم في صناعة سيف يجمع بين القوة وجمال التصميم.

ويضيف أن استمرار هذه الحرفة بات مهدداً في ظل عزوف الشباب عن تعلمها، وغياب الدعم للصناعات التراثية، الأمر الذي يجعل مستقبلها مرهوناً بقدرة الحرفيين القلائل المتبقين على نقل خبراتهم إلى جيل جديد، قبل أن تختفي واحدة من أقدم المهن التي اشتهرت بها مدينة كركوك.

الأسعار تصل إلى 600 دولار

ويرى صانع السيوف في سوق كركوك، كامل عباس، أن التحدي الأكبر الذي تواجهه هذه الحرفة اليوم لا يكمن في قلة الزبائن فحسب، وإنما في هيمنة السيوف المستوردة على السوق العراقية، بعد أن كانت المنتجات المحلية تتصدر المشهد لعقود طويلة.

ويقول عباس، لوكالة شفق نيوز، إن السيوف التركية والباكستانية أصبحت الأكثر طلباً لدى الزبائن، لما تمتاز به من جودة في التصنيع، ودقة في التشطيبات، وتنوع في التصاميم، فضلاً عن توفرها بأحجام وأشكال تناسب مختلف الأذواق.

ويشير إلى أن أسعار السيوف تختلف بحسب بلد المنشأ ونوعية المواد المستخدمة في صناعتها، إذ قد يصل سعر السيوف التركية والباكستانية الفاخرة إلى نحو 600 دولار، بينما تتراوح أسعار السيوف الإيرانية والسورية بين 300 و400 دولار، في حين تباع بعض النماذج الاقتصادية بأسعار أقل تبعاً لنوعية الفولاذ والزخارف والمقبض والغمد.

كما يلفت عباس، إلى أن غالبية الزبائن يشترون السيوف اليوم لأغراض الزينة أو كهدايا تُقدَّم في المناسبات الرسمية والعشائرية، كما يقتنيها بعض المسؤولين والشخصيات الاجتماعية ورجال الأعمال، فضلاً عن هواة جمع القطع التراثية، فيما تراجع استخدامها العملي بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في الماضي.

ويتابع قائلاً أن سيف الإمام علي (ذو الفقار) ما يزال يحتل المرتبة الأولى من حيث الطلب، يليه السيف العربي ثم السيف العثماني، فيما يفضل بعض الزبائن اقتناء نسخ مطابقة لسيوف تاريخية معروفة، سواء للعرض داخل المنازل أو في المضايف والقاعات الرسمية.

أسباب تراجع الصناعة

من جانبه، يوضح الباحث التاريخي محمد شاكر أن شهرة السيوف التركية والباكستانية لا ترتبط بالاسم فقط، وإنما بجودة المواد الأولية المستخدمة في صناعتها، ولا سيما الفولاذ عالي الصلابة الذي يمنح السيف قوة ومتانة وعمراً أطول.

ويرى شاكر، لوكالة شفق نيوز، أن التميز يمتد أيضاً إلى صناعة مقابض السيوف، إذ تستخدم أخشاب طبيعية عالية الجودة، إلى جانب العظام والقرون الطبيعية، ومنها عظام الغزال، فضلاً عن الزخارف المعدنية الدقيقة التي تمنح السيف قيمة فنية وتراثية، الأمر الذي يجعلها أكثر جذباً لهواة الاقتناء.

ويتحدث شاكر، بالقول إن "العراق كان يمتلك تقاليد عريقة في صناعة السيوف، وكانت مدن عدة، من بينها كركوك، تضم حرفيين مهرة استطاعوا، عبر عقود طويلة، إنتاج سيوف اشتهرت بجودتها، إلا أن الانفتاح على الأسواق العالمية، وارتفاع كلفة الإنتاج المحلي، وقلة الأيدي العاملة الماهرة، كلها عوامل أدت إلى تراجع هذه الصناعة تدريجياً".

وما تزال بعض الطرق الصوفية في العراق تستخدم السيوف في طقوس ومراسم دينية متوارثة، كما تحضر السيوف في عدد من المهرجانات التراثية والعروض الفلكلورية، فضلاً عن استخدامها في المناسبات العشائرية بوصفها رمزاً للقوة والهيبة والكرم، وهو ما يحافظ على جزء من الطلب في الأسواق رغم تغير طبيعة استخدامها.

ويؤكد الحرفيون أن إنقاذ هذه المهنة يتطلب دعماً حكومياً للحرف التقليدية، وإدراجها ضمن برامج حماية التراث غير المادي، إلى جانب إقامة معارض ومهرجانات متخصصة وتشجيع الشباب على تعلم أسرارها، بما يضمن انتقالها إلى الأجيال المقبلة.

ومع انطفاء أفران كثيرة في سوق كركوك الكبير، ما تزال نار "الكورة" مشتعلة في متجرين فقط، يواصل فيهما آخر صانعي السيوف طرق الحديد وصقل الفولاذ، في محاولة للحفاظ على حرفة قاومت الزمن، لكنها تقف اليوم أمام اختبار البقاء في ظل هيمنة المنتجات المستوردة وتراجع الإقبال على الصناعة المحلية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon