خطر رغم إيجابيتها.. ماذا تكشف كثرة بلاغات الفساد في العراق؟
شفق نيوز- بغداد
أكثر من 26 ألف إبلاع بقضايا فساد وصلت إلى هيئة النزاهة العراقية، في مؤشر على اتساع انخراط المواطنين في كشف شبهات الفساد والإبلاغ عنها، ولا سيما مع تصاعد وتيرة البلاغات خلال حملة "صولة الفجر" التي انطلقت في 28 حزيران/ يونيو 2026.
لكن كثرة البلاغات هذه تفرض تحديات على المؤسسات الرقابية والقضائية، تبدأ بالتحقق من المعلومات وفرزها، إلى مواجهة البلاغات الكيدية وحماية المخبرين، وصولاً إلى احتمال تحول كثرة الملفات إلى ضغط يعقد مسار التحقيق ويحد من قدرة المؤسسات على التركيز في القضايا الأكثر أهمية.
صولة الفجر تتوسع
وتأتي هذه التطورات في سياق حملة "صولة الفجر" التي لم تقتصر على الاعتقالات، إذ اتجهت الحكومة وهيئة النزاهة إلى تعزيز الجانب الوقائي وتدقيق العقود الحكومية ومتابعة المشاريع والمنافذ الحدودية.
وفي 29 آب/ أغسطس الجاري، وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بتفعيل قانون "مكافأة المخبرين" خلال زيارته هيئة النزاهة، مؤكداً أن "المعركة مع الفساد كبيرة"، وأن الهيئة تمثل "خط الصد الأول" في مواجهته.
كما كشف المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي أن قيمة الأموال والأصول والعقارات المستردة تجاوزت تريليوناً و359 مليار دينار، وأن عدد البلاغات التي وصلت إلى هيئة النزاهة تجاوز 26 ألفاً، ولا سيما خلال مرحلة "صولة الفجر".
وقال إن الحكومة ماضية في الإصلاح المؤسسي وإغلاق ثغرات الفساد، مشيراً إلى أن الأتمتة والتحول الرقمي يمثلان جانباً وقائياً مهماً لتقليل التدخل البشري والحد من فرص الفساد والابتزاز.
المكافأة والحماية
وفي هذا السياق، يقول الباحث القانوني علي التميمي، إن العراق يمتلك إطاراً قانونياً يجمع بين تحفيز المخبر وحمايته، مشيراً إلى قانون مكافأة المخبرين رقم 33 لسنة 2008 وقانون حماية الشهود والخبراء والمخبرين والمجني عليهم رقم 58 لسنة 2017.
ويوضح التميمي لوكالة شفق نيوز، أن قانون عام 2008 وضع حافزاً مالياً للمواطن الذي يقدم معلومات تؤدي إلى استعادة الأموال والأصول المملوكة للدولة أو كشف جرائم السرقة والاختلاس والتزوير والفساد الإداري.
وبحسب عرضه لأحكام القانون، تبلغ المكافأة 5% من قيمة المال المستعاد إذا لم يتجاوز 100 مليون دينار، و3% من المبلغ الذي يزيد على ذلك، فيما يمكن أن تصل مكافأة الإبلاغ عن جريمة تزوير تؤدي إلى القبض على مرتكبها إلى 500 ألف دينار.
ويشير إلى أن صرف المكافأة يرتبط باستعادة المال وصدور حكم قضائي بات، مع الحفاظ على سرية هوية المخبر.
أما قانون حماية الشهود والمخبرين لعام 2017، فيوفر، وفق التميمي، إطاراً للحماية الأمنية والقضائية والاجتماعية للمشمولين به، بما في ذلك حماية الهوية وتغيير محل الإقامة عند الضرورة والإدلاء بالشهادة بوسائل توفر قدراً أكبر من السرية، فضلاً عن تأسيس شعبة حماية الشهود في وزارة الداخلية لتقييم المخاطر وتنفيذ إجراءات الحماية.
ويرى التميمي أن الجمع بين القانونين يخلق معادلة تقوم على "المكافأة" لتحفيز المواطن و"الحماية" لتوفير الأمان له، وهو ما يمكن أن يعزز قدرة القضاء وأجهزة الرقابة على الوصول إلى المعلومات التي يصعب الحصول عليها بالوسائل التقليدية.
تدقيق البلاغات
وعن آلية التحقق من البلاغات، يقول المحامي أحمد العبادي إن الإبلاغ عن جرائم الفساد يمثل وسيلة مهمة للوصول إلى المتورطين وكشف عمليات الفساد داخل مؤسسات الدولة.
ويوضح العبادي لوكالة شفق نيوز، أن المادة 13 من قانون هيئة النزاهة تمنح الهيئة صلاحية التعامل مع البلاغات وفرزها، بما في ذلك حفظ الإبلاغ الذي لا يتضمن جريمة أو الذي تثبت التحريات عدم صحته، فيما يملك قاضي التحقيق صلاحية طلب الإبلاغ وتدقيقه.
وبحسب العبادي، فإن الهيئة تتلقى الإبلاغ وتقوم بتقييمه والتحري بشأنه، فإذا ظهرت مؤشرات جدية تُعرض القضية على قاضي التحقيق، الذي يتولى فتح التحقيق وتدوين أقوال الشهود واستكمال الأدلة والتحقيق مع المتهم، قبل إحالة الملف إلى المحكمة المختصة إذا ثبتت أركان الجريمة.
ويرى أن نظام المكافآت يمثل حافزاً إضافياً للإبلاغ، لأن المخبر لا يحصل على المكافأة لمجرد تقديم معلومة، وإنما عندما تكون المعلومة منتجة وتؤدي إلى نتائج قانونية واسترداد الأموال وفق الشروط المحددة.
أما البلاغات الكيدية أو التي تقف خلفها خصومات شخصية، فيقول العبادي إن القانون يوفر للهيئة إمكانية حفظها، بينما تشكل سرية هوية المخبر إحدى أهم وسائل حمايته من الانتقام، إذ لا يُفترض كشف اسم المخبر ضمن الإجراءات الاعتيادية للإبلاغ.
مخاطر إغراق القضاء
لكن رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة محمد الربيعي ينظر إلى الرقم من زاوية مختلفة، فهو يرى أن وصول البلاغات إلى هذا المستوى يعكس وجود مشاركة شعبية ودعم مجتمعي للحملة، لكنه في الوقت ذاته يكشف تحدياً مؤسسياً كبيراً.
ويشير الربيعي خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن قانون مكافأة المخبرين موجود منذ عام 2008، لكن عدم تفعيله طوال سنوات طويلة، قبل إعادة طرحه في الحملة الحالية، يثير أسئلة بشأن كفاءة تطبيق التشريعات الرقابية.
ويحذر من أن تلقي 26 ألف إبلاغ يتطلب منظومة إلكترونية وحوكمية قادرة ليس على استقبال المعلومات فقط، وإنما على تحليلها وتصنيفها وربطها بخلفيات مقدميها وطبيعة الادعاءات الواردة فيها، إلى جانب بنية مؤسسية قادرة على التعامل مع هذا الحجم من الملفات.
ويطرح الربيعي خطراً آخر يسميه "سياسة الإغراق"، إذ يمكن - بحسب تقديره - أن تستخدم شبكات مرتبطة بالفساد بلاغات كاذبة ومتعددة ضد شخص واحد عندما تقترب التحقيقات منه، بهدف تشتيت جهود القضاء وإطالة مدة التحقيق.
وفي مثل هذه الحالات، قد يجد القضاء نفسه أمام عشرات أو مئات البلاغات ضد الشخص نفسه، بعضها قد يتضمن معلومات حقيقية وأخرى لا تستند إلى وقائع، ما يفرض تحقيقات متوازية مالية وإدارية وقضائية قد تستغرق وقتاً طويلاً.
ويرى الربيعي أن هذا الأمر قد يؤدي إلى إغراق المؤسسات الرقابية وإضعاف قدرتها على الوصول إلى الملفات الأكثر أهمية، فضلاً عن إمكانية استخدام نسب الإنجاز السنوية في البلاغات بصورة لا تعكس بالضرورة حجم العمل أو جودة النتائج.
شراكة مجتمعية
أما المحلل السياسي زياد العرار فيرى أن تفعيل مكافأة المخبرين يمثل خطوة مهمة لتعزيز التعاون بين المواطن والأجهزة الرقابية والقضائية، خصوصاً أن القانون يشمل الموظف وغير الموظف.
ويعتبر العرار خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن الزيادة الكبيرة في الإبلاغ يمكن أن تكون مؤشراً على نجاح الخطوة في فتح قناة جديدة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، لكنه يشدد في الوقت ذاته على ضرورة التعامل مع جميع البلاغات بجدية ودقة، وإخضاعها لفحص أولي يحدد مدى صحتها وجدواها.
ويقترح تشكيل لجان متابعة تتمتع بخبرة قانونية وإدارية كافية للتمييز بين البلاغات التي تستند إلى معلومات فعلية وتلك التي قد تكون مدفوعة بأهداف سياسية أو شخصية أو بقصد التشهير.
ويؤكد في الختام أن إشراك المواطن في مكافحة الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن مؤسسات الرقابة، بل إلى جزء من منظومة متكاملة تتولى فيها الجهات المختصة التحقق والتحقيق والإحالة إلى القضاء.