خاص.. خبير أميركي: استهداف جزيرة خارك "كش ملك" لإيران وانتحار للاقتصاد العالمي
شفق نيوز- واشنطن/ مصطفى هاشم
بينما يتحدث سياسيون أميركيون عن "انتصارات سريعة"، في الحرب الدائرة مع إيران، يرى خبراء الطاقة مشهداً أكثر تعقيداً وقتامة، معللين ذلك بأن إيران ليست العراق، ومضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي؛ إنه "عنق الزجاجة" الذي قد يختنق فيه الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الصدد، قال الخبير الأميركي في أمن الطاقة والجغرافيا السياسية، بول سوليفان، وهو أحد أبرز العقول التي واكبت أزمات الطاقة في الشرق الأوسط لأربعة عقود، إنه "إذا قام الرئيس ترمب بضرب جزيرة خارك، فإن أسعار النفط سوف تنفجر بشكل يتجاوز بكثير ما قد يسببه النقص الفعلي في الإنتاج والتكرير هناك".
وأضاف: "السعر سيرتفع بسبب علاوة المخاطر، التي سيفرضها هذا الهجوم. ليس لدي أدنى فكرة عن السعر الذي قد نصل إليه حينها، ولكن سأقول لك شيئاً واحداً: أنا أفكر جدياً في شراء دراجة هوائية".
وتابع: "بالنسبة للأميركيين، الوضع ليس سيئاً للغاية لأن معظمهم ميسورو الحال، ولكن بالنسبة للمصريين، سيكون الأمر كارثياً. كم مصرياً يمكنه تحمل أسعار الوقود الآن؟ إنهم يعيشون على الحافة. والعديد من الدول الفقيرة ستعاني؛ باكستان، سريلانكا، وبنغلاديش".
وأشار سوليفان إلى أن "هذه الأسعار ستؤثر على الصيادين وسائقي سيارات الأجرة وأي شخص يحتاج للتنقل من العمل، وسترفع تكاليف المعيشة بشكل جنوني. أنا أشعر بعدم ارتياح شديد تجاه المسار الذي تسلكه هذه الأمور".
ولفت إلى أن "الأهم هو سرعة الارتفاع؛ فإذا قفز سعر البرميل، إلى 150 دولاراً بسرعة، فهذه هي الكارثة. إذا ارتفع ببطء على مدى شهرين مثلاً، فقد يختلف الأمر. لكنني لا أعتقد أن هذا الصراع سينتهي في غضون ثلاثة أشهر".
وأكمل قائلاً: "تذكروا العراق؛ ماذا قال رامسفيلد؟ ثلاثة أيام، ثلاثة أسابيع، ولم يقل أبداً ثلاثة أشهر أو ثلاث سنوات. لا أحد يعرف كم تستغرق الحروب بمجرد أن تبدأ، فهي تصبح لها حياة خاصة بها. أتذكر في بداية حربي العراق وأفغانستان، كان الجميع يقولون إنها ستنتهي قريباً، تماماً كما يفعلون الآن. هذا الكلام سياسي وليس حقيقياً".
وبين سوليفان أن "الحديث عن انتهاء الحرب بوقت قصير، هو حديث سياسي بحت، ومن المستحيل تقريباً حدوثه ما لم يقع حدث صادم جداً، وحتى لو وقع، فقد يثير مشاكل أخرى في أماكن مختلفة. المشكلة الآن هي أن الحكومة في إيران لا تملك زر إغلاق، والحكومة ليست شخصاً واحداً أو برلماناً واحداً؛ إنها موزعة على العديد من الأقاليم والولايات. أنت ترى كيف يصدرون قواعد وتصريحات متناقضة بانتظام؛ الرئيس يقول إنه لن يفعل كذا، وبعد 5 دقائق يُنفذ الأمر".
وتابع: "أنا أتساءل من يدير الأمور هناك فعلاً؟ في مصر الأمر سهل؛ السيسي يقول شيئاً، الجميع يؤدي التحية، أليس كذلك؟ لا يوجد الكثير من المتمردين في ظل وجود السيسي والجيش والشرطة. أما في مكان مثل إيران لديك قوميات وأعراق مختلفة، نسخ متعددة من الشيعة، وجماعات سنية لا تريد أن تكون جزءاً من إيران. المشكلة الكبرى هي أنه إذا وصلت الأمور إلى نقطة انهيار إيران، فسوف تنطلق قوى مظلمة قد تكون أسوأ بكثير مما نراه الآن".
ورأى أن "إيران أكثر تعقيداً من العراق بمراحل؛ لديها جبال، صحاري ملحية، أعراق متعددة، وعدد سكان ضخم يتجاوز 90 مليوناً. وهناك عدم مساواة هائل، وشعب تحمل ألماً اقتصادياً كبيراً لمدة 47 عاماً. هل تعتقد أن زيادة الألم قليلاً ستحدث فرقاً؟".
وقال إن "الشخصية الإيرانية -وأنا لا أمزح هنا- إما ستخضع تماماً أو ستصبح أكثر شراسة وقوة. الكثير من الأميركيين لا يفهمون ذلك، ويخلطون بين إيران وبين فنزويلا أو العراق، إنهم يجهلون تاريخاً لا يفهمونه".
ولفت سوليفان إلى أن "القدرة الفائضة تخرج في معظمها من مضيق هرمز، والآن عبر أنابيب محددة تقطع السعودية. تقريباً كل القدرة الفائضة موجودة في الإمارات والسعودية، ولكن لكي تكون فعالة، يجب أن تخرج للأسواق. ولا توجد قدرة فائضة تقريباً في العالم الغربي".
وأوضح أن "القول بأن فنزويلا تمتلك 300 مليار برميل، فأنا لا أصدق ذلك، وحتى لو كان ممكناً، فإن الإمداد الفعال منها أقل بكثير، وسيتطلب الأمر سنوات لبناء النظام اللازم. الأمور في أسواق النفط لا تحدث بين عشية وضحاها، باستثناء الصدمات السعرية التي تضرب الفقراء والطبقة الوسطى. الاستثمار في النفط يستغرق وقتاً طويلاً جداً".
وأكمل: "بالنسبة إلى الغاز الطبيعي. القطريون أغلقوا محطاتهم، وهذا لن يؤثر على الغاز في أميركا لأننا منتج كبير، ولكن في أوروبا الأسعار قفزت. إنتاج الأسمدة انخفض بشدة، وإنتاج الألمنيوم في دول الخليج سيتراجع. هناك ما هو أكثر من النفط؛ هناك أسمدة وكيمياويات وكل شيء يتعطل بسبب ما يحدث في مضيق هرمز".
وأشار إلى أن "مضيق هرمز مكان ضيق جداً، نحن لا نتحدث عن الخليج بأكمله؛ الممر الذي تعبره السفن عرضه 6 كيلومترات فقط فكر في ذلك. هل رأيت يوماً ناقلات النفط العملاقة أو سفن الغاز المسال؟ لا يمكنك تحويل مسارها بسرعة. إنهم كالبط الساكن (Sitting Ducks) هناك. يكفي أن تُفجر ناقلتان كبيرتان، وسيقفز سعر النفط نفسياً لمستويات لا أعلمها، ستكون أرقاماً كبيرة لأن البيئة تتغير تماماً".
ولفت إلى أن "الإمارات ودول خليجية أخرى لديهم سياحة، تمويل، وذكاء اصطناعي. الإمارات من أكثر الدول تنوعاً في الخليج، والسعودية بدأت تنوع اقتصادها بالكيمياويات والمعادن والصناعات العسكرية. لكن ما سيحدث هو صدمة للنظام والتمويل، وما يقلق الكثيرين في المنطقة ليس فقط النفط والغاز -رغم قلق القطريين الشديد على الغاز- بل هو: ماذا سيحدث للسياحة وماذا عن الفنادق وماذا عن قطاع الأعمال الذي قد يغادر؟. هذه الدول بنيت اقتصاداتها الحديثة على المغتربين، وبدونهم سيواجهون مشاكل كبيرة".
ونوه سوليفان إلى أن "الإمارات قد تكون الوحيدة التي ستنجو فعلياً من هذا. البحرين تتعرض لضربات موجعة، والإيرانيون ارتكبوا حماقات بإرسال صواريخ لدول الخليج؛ أي تحالف محتمل اختفى عندما فعلوا ذلك. وهذا يثبت لي أن من يدعون أنهم في السلطة بإيران، كالرئيس، ليسوا كذلك. لماذا يهاجم الرئيس جيرانه؟ هذا غير منطقي على الإطلاق".
وأضاف أن "الإيرانيين هاجموا فنادق، ومنشآت نفط وغاز، وأطلقوا صواريخ على مطارات هذه ليست منشآت أميركية. إنهم يكذبون عندما يقولون إنهم يهاجمون القواعد العسكرية الأميركية فقط. لماذا هاجموا منشأة تخزين النفط في الفجيرة، لماذا هاجموا الشيبة في السعودية؟ سياستهم بالكامل مبنية على الأكاذيب".
وقال سوليفان، إن "العراق تدار أموره بشكل كبير من قبل الإيرانيين. إذا كنت تبحث عن بدائل مثل الزراعة، فهي غير موجودة، ربما في إقليم كوردستان أو الشمال، لكنهم لم ينوعوا اقتصادهم بما يكفي. ورغم استثماراتهم في الطاقة، إلا أنها ليست قريبة مما يجب فعله ليكونوا صامدين أمام كارثة كهذه. وصدقني، شيء كهذا سيتكرر في المستقبل لأن هناك دائماً أشخاصاً طماعين وغاضبين يريدون إثارة المشاكل، ولا أتحدث عن الإيرانيين فقط".
وأشار إلى أن "العراق لن يتعافى أبداً ما لم يتمكن من إخراج نفطه، لديهم منشآت صغيرة وأنابيب مباشرة، ونحو 85% من اقتصاد العراق يمر عبر تلك المنشآت في الجنوب. الصدمة هناك ستكون هائلة. مصر مثلاً لديها اقتصاد متنوع؛ زراعة، قناة السويس، السياحة، لكن حتى هي ستُصدم. لا أتخيل أن السياحة في مصر ستبقى كما كانت، وقناة السويس ستتعرض لضربة قاسية إذا قرر الحوثيون إغلاق البحر الأحمر".
وبين سوليفان، أن "أميركا لديها احتياطي جيد، وهو الأفضل في العالم كما قال ترامب. لكن استخراج النفط من تلك الكهوف يستغرق وقتاً، ثم يجب وضعه في سفن أو تكريره وشحنه. التأثير الفوري يكون نفسياً فقط، أما وصول النفط فعلياً للأسواق فقد يستغرق شهراً كاملاً".
ولفت إلى أن "الناس لا يفهمون أن النفط تحت الأرض يحتاج لأنابيب لإخراجه، ثم إرساله للمصافي أو الموانئ، ثم وضعه على سفن.. كم سيستغرق ليصل للدول التي تحتاجه؟ الأمر ليس بكبسة زر كما يظن الناس. المصافي أيضاً يجب أن تكون مهيأة لنوع النفط المستخرج، فليست كل مصفاة قادرة على معالجة أي نوع من الخام".
وتابع سوليفان: "ليس لدي أدنى فكرة عن استراتيجية إدارة ترمب لاستقرار السوق. هناك أشياء يمكنهم فعلها للمساعدة، لكن لا يمكنهم فعل ذلك بمفردهم؛ يجب التنسيق مع الشركاء والحلفاء والموردين. يمكنهم مثلاً إلغاء ضريبة البنزين للشعب الأميركي لتقليل السعر محلياً، لكن هذا لن يساعد الدول الأخرى. يمكنهم تشجيع الشركات على الاستثمار أكثر في الإنتاج، لكن هذا لا يحدث فوراً".
وأكمل سوليفان: "نحن في الولايات المتحدة لسنا مستقلين من ناحية الطاقة كما يدعي السياسيون. أنا خبير طاقة منذ 4 عقود، وأقول لك إننا لا نزال نستورد الكثير من الطاقة، نستورد النفط الثقيل من كندا لأن مصافينا تحتاج إليه".
وأردف: "ترمب طلب من دول عدة المساعدة في تأمين مضيق هرمز، لكن الوضع خطير للغاية. هناك عداوات تراكمت عبر السنين. في النهاية، لا بد من وجود تحالف لاستقرار المنطقة أو المضيق. مشكلة هرمز أبدية؛ في الثمانينيات شهدنا حرب الناقلات، وتدخلت أميركا وفقدنا سفناً وأشخاصاً، والإيرانيون خسروا الكثير أيضاً".
وأوضح أن "المشكلة الأساسية هنا ليست النفط، بل هي الكراهية. ما لم نتجاوز فكرة أن العنف هو الحل -وهو ليس حلاً- سنبقى عالقين في هذا الباب الدوار لعقود دون حل. أنا متعب من الحروب، ومتعب من تكلفتها. هناك غضب أعمى من الجانبين، وعدم رغبة في فهم الآخر. قد يبدو كلامي ناعماً أو يصفه البعض بأنه (Woke)، لكن هل أتطلع لرؤية التوابيت تعود لأميركا؟ أو رؤية أطفال عرب يموتون من أجل النفط؟ لا".
وبالنسبة للخط الإسرائيلية في الشرق الأوسط، قال سوليفان: "أنني لا أفهم طريقة تفكير نتنياهو على الإطلاق. سألتزم بمحاولة فهم بلدي وأصدقائنا العرب. أؤكد لك أن أقرب أصدقائنا هم دول الخليج ومصر، ومهما تغيرت السياسات، فلدينا علاقات طويلة مع السعوديين والإماراتيين والبحرينيين والعمانيين والقطريين والمصريين".
واسترسل قائلاً: "أنا مقتنع تماماً بأننا بحاجة للعودة إلى القوة الناعمة، لأن إغلاق المحطات الإخبارية، وتقليص دور وزارة الخارجية، وإغلاق وكالة التنمية الدولية (USAID) كان خطأً فادحاً. ترمب يرفع شعار (السلام من خلال القوة)، ولكن هناك جنرال مشهور في المارينز قال بدقة: (إذا قلصت ميزانية وزارة الخارجية، فعليك زيادة ميزانية الدفاع)، لأن الخارجية تساعدنا في الحفاظ على السلام حتى لا نضطر للذهاب للحرب. العسكريون الحقيقيون لا يحبون الحرب لأنهم هم من يتلقون الرصاص، السياسيون هم من يريدون الحروب".
وأضاف أن "هذا الصراع سيسبب اضطراباً عالمياً؛ الصين هي المستهلك الأكبر لنفط هرمز وستتضرر، وروسيا وضعها معقد. أنا مصدوم تماماً لأننا خففنا العقوبات عن روسيا من أجل ضخ المزيد من النفط لتقليل السعر، وهذا لن يفعل شيئاً تقريباً".
وختم سوليفان بالقول إن "الأمر لا يتعلق بالطاقة فحسب، بل بالبشر. الناس يتأذون؛ صيادون في تايلاند لا يستطيعون العمل، في الهند يتوقفون عن طهي الوجبات الساخنة في المدارس.. فكر في الأطفال المرعوبين وهم يشاهدون الصواريخ فوق رؤوسهم في دول لم تعتد على ذلك. أنا أريد حل هذه المشاكل، لقد سئمت من الحروب".