"حادثة الدورة" تكشف أزمة 3.5 ملايين عراقي
شفق نيوز- بغداد
أعادت حادثة إزالة التجاوزات في منطقة الدورة، جنوبي العاصمة بغداد، ملف التجاوزات السكنية والعشوائيات في العراق إلى الواجهة، بعدما تحولت حملة لإزالة مساكن مقامة على أراضٍ متجاوز عليها إلى اشتباك مسلح أودى بحياة ضابط برتبة عميد ومنتسب أمني، وأصاب أربعة آخرين.
وتشير بيانات رسمية وتصريحات لمسؤولين وخبراء إلى أن ملف التجاوزات، الذي تراكم على مدى أكثر من عقدين، يرتبط بأزمة السكن وملكية الأراضي والتخطيط الحضري وتوفير الخدمات، فضلاً عن سيادة القانون وحماية فرق الدولة أثناء تنفيذ قرارات الإزالة.
حجم العشوائيات
وبحسب وزارة الإعمار والإسكان العراقية، يضم العراق أكثر من 4 آلاف تجمع عشوائي يقطنها نحو 3 ملايين شخص، فيما لم تتمكن أربع حكومات متعاقبة من إقرار قانون خاص بالعشوائيات.
من جهتها، تشير وزارة التخطيط العراقية إلى ارتفاع عدد التجمعات العشوائية المسجلة إلى 4,679 تجمعاً تضم نحو 3.5 ملايين نسمة.
وتتصدر بغداد المحافظات بأكثر من ألف تجمع، أي نحو 23% من الإجمالي، تليها البصرة، فيما تظهر بيانات المسح أن نحو 87% من الأراضي المتجاوز عليها تعود إلى الدولة، مقابل 13% تعود إلى ملكيات خاصة.
ويختلف مفهوم "التجاوزات" عن العشوائيات بالمعنى الإحصائي الضيق؛ إذ أظهر التعداد السكاني الأخير أن المساكن غير النظامية وغير الصالحة للسكن، مثل بيوت الطين والشعر والصريفة، تشكل نحو 1.3% من أكثر من ثمانية ملايين وحدة سكنية في البلاد.
أما ملف التجاوزات فيشمل أيضاً مساكن وأحياء أقيمت على أراضٍ حكومية أو زراعية أو خارج الاستخدامات والتصاميم المقررة.
أزمة سكن
وفي هذا السياق، يقول رئيس لجنة الخدمات والإعمار النيابية في الدورة الخامسة، محما خليل آغا، إن العراق بحاجة إلى نحو 5 ملايين وحدة سكنية لاستيعاب الزخم السكاني، معتبراً أن معالجة التجاوزات "مرحلة من الحكومات السابقة" ولم تحسم حتى الآن.
ويرى خليل خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن حكومة علي الزيدي مطالبة بإيجاد حل إنساني يمنح غطاءً قانونياً للمتجاوزين الذين لا يمتلكون أرضاً أو مسكناً، شرط ألا يكون التجاوز على قطع متميزة أو محرمات أو مواقع مخصصة للمشاريع العامة.
ويضيف أن لجنة الخدمات أعدت في وقت سابق قانوناً لمعالجة الجانب الإنساني من المشكلة بما لا يضر الدولة أو المواطن، لكن حكومة محمد شياع السوداني السابقة سحبت القانون.
ويشير النائب إلى تجربة إقليم كوردستان باعتبارها نموذجاً مختلفاً في معالجة أزمة السكن، قائلاً إن الإقليم لا يواجه أزمة سكن بالمستوى نفسه، وإن التجربة تحتاج إلى إرادة سياسية لمنح المواطن العراقي حقه في السكن.
وتحاول الحكومة منذ سنوات الجمع بين تسوية بعض التجاوزات وتوفير بدائل سكنية، ومن أبرز الأدوات القرار 320 لسنة 2022 المتعلق بالتجاوزات على الأراضي الزراعية، فيما صدر القرار 20 لسنة 2025 بشأن التجاوزات على الأراضي التابعة للمؤسسات البلدية.
وتقوم إحدى أفكار المعالجة على تنظيم وتمليك الحالات القابلة للتأهيل وفق ضوابط، مع استبعاد الأراضي الواقعة ضمن محرمات النفط والآثار والسكك الحديدية وخطوط نقل الطاقة والمواقع المخصصة للمشاريع الحيوية أو النفع العام.
أصل المخالفة
وفي هذا الجانب، يقول الخبير الاقتصادي، صفوان قصي، إن المشكلة تبدأ قانونياً من عدم الالتزام بجنس الأرض، مشيراً إلى أن تغيير جنس الأرض من زراعية إلى سكنية أو من سكنية إلى تجارية أو شبه تجارية من دون الحصول على الموافقات القانونية يمثل مخالفة أساسية.
ويضيف قصي لوكالة شفق نيوز، أن المخالفات تتسع مع السماح بالبناء من دون إجازات رسمية، وعدم ضبط دخول مواد البناء إلى مواقع لا تملك موافقات أصولية، ثم إيصال المياه والطاقة الكهربائية إلى وحدات سكنية لم تنشأ وفق الضوابط.
ويرى قصي أن العشوائيات التي توسعت في بغداد والمحافظات "بحاجة إلى تصحيح"، مقترحاً تشريع قانون لاستملاك بعض المشيدات وتعويض أصحابها بمبالغ محددة تمكنهم من الانتقال إلى مناطق أخرى.
ويشدد على ضرورة وجود قانون شامل للعشوائيات يحدد المسؤولية عن "المخالفة الأولى"، وهي تغيير جنس الأرض، وكذلك الجهات التي سمحت بإنشاء تلك المساكن، مع إزالة التجاوزات أو فرض غرامات على المخالفين وفق طبيعة كل حالة.
ولا تقتصر آثار التجاوزات على الأراضي، ففي 23 آب/ أغسطس الجاري، قال مرصد "إيكو عراق" إن نحو 55% من الطاقة الكهربائية المنتجة في البلاد تُفقد خلال النقل والتوزيع بسبب التجاوزات والربط غير النظامي وغياب أنظمة القياس.
مسؤولية الدولة
بدوره، يضع الخبير القانوني، محمد جمعة، جانباً آخر من المسؤولية على المؤسسات الحكومية نفسها، قائلاً إن الدولة ومؤسساتها "عليها واجب منع التجاوز منذ اللحظة الأولى لوضع أول طابوقة"، مشيراً إلى أن الأراضي في منطقة الدورة جرى تقطيعها وتسييجها وبيعها أكثر من مرة، قبل أن تُبنى عليها المنازل وتسكنها العائلات، ثم بدأت حملات رفع التجاوزات.
ويرى جمعة خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن ذلك يثير مسؤولية المؤسسات التي سمحت بالتسييج والتقطيع والبناء والبيع ووجود مكاتب عقارية تتولى بيع الأراضي المتجاوز عليها.
لكن الخبير القانوني يفرق بين التقصير الوظيفي، الذي تترتب عليه عقوبات إدارية، والتواطؤ الذي قد يشكل جريمة وتترتب عليه عقوبات جنائية قد تصل إلى السجن.
ويقول في الختام إن وجود التجاوز أمام أعين الجهات المعنية طوال مراحل التسييج والتقطيع والبناء والبيع يشير إلى تقصير في أداء الواجب، ما يستوجب التحقيق في مسؤولية الموظفين والجهات التي كان يفترض بها وقف المخالفة في بدايتها.