النفط لا يحمي العراق.. حرب إيران تهدد الإيرادات والرواتب
شفق نيوز- بغداد/ القاهرة
يتوقع خبراء اقتصاديون أن تواصل النزاعات والتوترات الجيوسياسية الضغط على الاقتصاد العالمي، عبر اضطراب سلاسل الإمداد وتقلبات أسعار الطاقة وتراجع الثقة الاستثمارية، محذرين من أن العراق يواجه مخاطر مضاعفة نتيجة اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية وارتفاع الإنفاق العام، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إصلاحات هيكلية وتنويع مصادر الدخل.
ويرى الخبراء أن قدرة الاقتصادات العربية، ولا سيما العراق، على مواجهة الصدمات المقبلة ستتوقف على مدى مرونتها المالية، وقدرتها على جذب الاستثمارات وتعزيز الإنتاج المحلي، إلى جانب تطورات النزاع الإقليمي ومسارات التجارة والطاقة.
مخاطر الاقتصاد العالمي
وفي التفاصيل، يقول الخبير الاقتصادي العراقي، أحمد عبد ربه، إن الاقتصاد العالمي مرشح لمواجهة تباطؤ في النمو وارتفاع المخاطر، نتيجة التوترات الجيوسياسية وما تفرضه من ضغوط على أسعار الطاقة والنقل والتجارة وسلاسل الإمداد.
ويضيف عبد ربه لوكالة شفق نيوز، أن التحديات العربية تشمل احتواء التضخم وجذب الاستثمارات والحفاظ على الاستقرار المالي، فيما يواجه العراق تحديات أكثر ارتباطاً بطبيعة اقتصاده، في مقدمتها الاعتماد على النفط وتقلب أسعاره وارتفاع الإنفاق التشغيلي، فضلاً عن تأثر الصادرات والتجارة وسعر الصرف بالتطورات الإقليمية.
ويشدد على أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تنويع الإيرادات، وتعزيز القطاع المصرفي، وتحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي، وبناء هوامش مالية تتيح امتصاص الصدمات الخارجية.
اضطراب عالمي
وفي السياق ذاته، يقول الخبير المصرفي المصري، طارق إسماعيل، إن استمرار الصراعات عبر التاريخ لا يعني بالضرورة أن تكون النظرة إلى المستقبل تشاؤمية، مشيراً إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في كيفية تعامل الدول مع الأزمات والحد من آثارها الاقتصادية.
ويوضح إسماعيل، لوكالة شفق نيوز، أن اضطراب سلاسل الإمداد وحالة عدم اليقين يمثلان مشكلتين رئيسيتين للاقتصاد العالمي؛ إذ تؤدي التوترات إلى تعطل التجارة وارتفاع التكاليف، بينما تجعل التقلبات غير المتوقعة في الأسواق قرارات الاستثمار والتعاقد والتخطيط أكثر صعوبة.
ويضرب مثالاً بتقلبات أسعار النفط، مبيناً أن الدول التي تبرم عقوداً على أساس أسعار مرتفعة تحسباً لاستمرار التصعيد قد تواجه التزامات مكلفة إذا انتهت التوترات وانخفضت الأسعار لاحقاً.
الاقتصاد العراقي
وعلى المستوى العراقي، يشير إسماعيل إلى أن الاعتماد الكبير على النفط يجعل الموازنة والصادرات عرضة للتقلبات الخارجية، لافتاً إلى أن بيانات مالية نُشرت في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري أظهرت اتساع العجز في الموازنة العراقية. وبلغ العجز نحو 20.16 مليار دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، وفق بيانات وزارة المالية.
ويؤكد أن المعالجة تتطلب خطة طويلة الأمد لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، بالتوازي مع تهيئة بيئة مناسبة للقطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، بما يتيح خلق فرص عمل جديدة وتخفيف الضغط على الإنفاق الحكومي.
ويدعو كذلك إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وقواعد البيانات والبنية التحتية الرقمية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير التعليم الفني والتقني بما يتلاءم مع احتياجات سوق العمل المستقبلية، فضلاً عن تعزيز التكامل الاقتصادي العربي وتوجيه مزيد من الاستثمارات إلى داخل المنطقة.
ويضيف أن بناء اقتصاد أكثر مرونة يتطلب الانتقال التدريجي من نموذج يعتمد على الإنفاق العام والإيرادات النفطية إلى نموذج أوسع إنتاجاً وتنوعاً، يتيح فرصاً أكبر للشباب ويحد من تأثر البلاد بالتطورات الخارجية.
إغلاق هرمز
من جهته، يحذر مستشار التنمية والاستثمار العراقي، محمد النجار، من أن مسار الاقتصاد العالمي والعراقي سيظل مرتبطاً بتطورات الحرب مع إيران وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، معتبراً خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن استمرار الاضطرابات أو التوصل إلى تسوية سيقود إلى نتائج اقتصادية مختلفة.
ووفق السيناريوهات التي يعرضها النجار، فإن استمرار التصعيد قد يبقي أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، مع احتمال وصولها إلى 130 دولاراً، ما يرفع تكاليف الوقود والغذاء والسفر ويزيد الضغوط التضخمية، لكنه أشار إلى أن ارتفاع الأسعار لا يضمن استفادة العراق إذا تعطلت الصادرات أو تراجعت حركة التجارة والاستثمار.
ويضيف أن إغلاق مضيق هرمز مجدداً قد يؤدي إلى انخفاض الإيرادات النفطية العراقية بنسبة تصل إلى 80%، بما يهدد قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام، ويزيد مخاطر ارتفاع أسعار السلع المستوردة وضعف الدينار وتراجع فرص العمل.
النفط والموازنة
في المقابل، يقول النجار إن توقف الحرب واستعادة الاستقرار قد يدفعان أسعار النفط إلى نحو 74 دولاراً للبرميل، ويسهمان في تحسن النمو العالمي خلال عام 2027، غير أنه يحذر من أن انخفاض الأسعار سيقلص الإيرادات الحكومية العراقية، في ظل حاجة الموازنة إلى سعر نفط يقارب 86 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن.
وتكتسب هذه السيناريوهات أهمية في ضوء توقعات صندوق النقد الدولي في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، التي رجحت انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16% خلال العام، قبل تعافيه بنحو 19% في 2027.
ويشير النجار إلى أن تداعيات الحرب لا تقتصر على المؤشرات المالية، بل تمتد إلى كلفة المعيشة والوظائف والرواتب والخدمات الأساسية، فاستمرار تراجع الإيرادات قد يضغط على قدرة الحكومة على تمويل النفقات، في حين قد يؤدي تردد المستثمرين إلى تجميد التوظيف وتقليص الفرص المتاحة أمام الشباب.
كما يلفت إلى أن اضطراب الإمدادات وارتفاع أسعار الغذاء والدواء قد يفاقمان الأعباء على الأسر، فيما يضيف اعتماد العراق الجزئي على الغاز الإيراني في توليد الكهرباء تحدياً آخر إذا اتسعت الاضطرابات الإقليمية.
وفي ختام حديثه، يشدد النجار على أن الاستفادة من أي تحسن مؤقت في الإيرادات النفطية تتطلب استثمارها في مشروعات مستدامة، من بينها تطوير مسارات بديلة لتصدير النفط، وضبط الإنفاق العام، وتحسين بيئة الاستثمار، والحد من المخاطر الأمنية التي قد تعرقل النشاط الاقتصادي.