المنهاج الذي لا يشيخ.. الزيدي يعيد تدوير وعود الكاظمي والسوداني في 14 محوراً

المنهاج الذي لا يشيخ.. الزيدي يعيد تدوير وعود الكاظمي والسوداني في 14 محوراً
2026-05-14T19:42:15+00:00

شفق نيوز- بغداد

تحليل خاص

في العراق عادة، لا تبدأ الحكومات الجديدة من صفحة بيضاء، بل تدشن عهدها من دفتر قديم مثقل بوعود لم تتم، ولم تتحول أيضاً إلى سياسات ناجزة، وبهذا المعنى، لا يبدو المنهاج الوزاري الذي قدمه رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي وصوّت عليه البرلمان مجرد برنامج لحكومة مقبلة، بل وثيقة تكشف المأزق المتكرر للدولة العراقية منذ سنوات.

ويقدم كل رئيس حكومة، بعد تكليفه بتشكيلها من قبل رئيس الجمهورية، منهاجاً وزارياً يتضمن أبرز ما يعتزم تطبيقه خلال فترة حكومته الممتدة لأربع سنوات، وعلى أساس هذا البرنامج يتم تقييم أداء الحكومة بشكل دوري، بدءاً من الـ100 يوم الأولى وصولاً إلى تقييم سنوي.

وقدم الزيدي برنامجه الحكومي في 14 محوراً ضمن رؤية تقوم على "دولة مستقرة، واقتصاد منتج، وشراكات متوازنة". غير أن جردة خاصة أجرتها وكالة شفق نيوز للمشتركات بين منهاج الزيدي وبرنامجي حكومتي محمد شياع السوداني ومصطفى الكاظمي، أظهرت أن كثيراً من العناوين الأكثر حضوراً في الوثيقة الجديدة سبق أن وردت في برامج حكومية سابقة، من دون أن تتحول في معظمها إلى إنجازات حاسمة.

السلاح والمحاور

ويتقدم ملف "حصر السلاح بيد الدولة" هذه القائمة، إذ تعاقبت الحكومات منذ سنوات على رفع هذا الشعار، غير أنه ظل يصطدم بتركيبة سياسية وأمنية معقدة، تكون فيها بعض القوى المسلحة جزءاً من معادلة الحكم، لا مجرد تحدٍ خارجي لها.

وقد جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتكشف عمق هذه الفجوة، إذ نفّذت فصائل مسلحة عراقية متحالفة مع طهران هجمات إقليمية وداخلية، وامتدت عمليات الترويع والاختطاف لتطال شخصيات أجنبية على الأراضي العراقية، في مشهد يُثبت أن السلاح لم يدخل بعد تحت سقف الدولة.

ولا يتوقف اختبار السلاح عند الداخل العراقي، ففي محور العلاقات الخارجية، يتعهد الزيدي بتعزيز الشراكة مع دول الخليج، وبمنع أن يكون العراق ممراً أو منطلقاً للاعتداء على أي دولة، لكن هذا الوعد، الذي تكرر في برامج حكومية سابقة، ظل يصطدم بالمعادلة نفسها التي تحكم ملف السلاح، يكشف واحدة من أكثر المعضلات إرباكاً لبغداد.

الحرب الأخيرة جعلت هذا الوعد في مواجهة مباشرة مع الواقع، حيث جرى استهداف دول خليجية انطلاقاً من الأراضي العراقية أو عبر فصائل تتخذ منها قاعدة، فيما لم تُفضِ التهديدات المتكررة من الفصائل بقصف دول الجوار إلى أي إجراء رادع من بغداد، ومن هنا، فإن علاقة حكومة الزيدي المقبلة بالخليج لن تُقاس فقط بحجم الاتفاقيات أو الزيارات الدبلوماسية، بل بقدرتها على طمأنة دول الجوار إلى أن القرار الأمني العراقي يصدر من مؤسسات الدولة، لا من الفصائل.

كما يعيد الزيدي في برنامجه التعهد بعدم تبني العراق "سياسة المحاور"، وهو وعد قطعته حكومات سابقة من قبل، لكنه بقي يصطدم بانقسام واضح داخل العملية السياسية بين قوى مرتبطة بمحور إيران، وأخرى تميل إلى شراكات أوسع مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وبذلك ظل الحياد العراقي، في كثير من المحطات، موقفاً رسمياً معلناً أكثر منه سياسة قادرة على ضبط جميع الفاعلين داخل الدولة.

مكافحة الفساد حاضرة في كل منهاج حكومي منذ سنوات، وكل حكومة اعتمدت آلياتها الخاصة، من اللجان إلى المؤسسات، غير أن النتيجة واحدة في كل مرة.

ويعيد الزيدي اليوم هذا العنوان إلى الواجهة في بلد يحتل مراتب متقدمة في مؤشرات الفساد الدولية، دون أن يقدم المنهاج إجابة واضحة عن السبب الذي يجعل هذه المرة مختلفة.

كما أورد في منهاجه فقرة تقوية الجواز العراقي، وهي فقرة وردت في المناهج السابقة ولم تتحقق، وبقي الجواز العراقي للآن يتذيل قائمة جوازات العالم.

في المجال الاقتصادي، يؤكد الزيدي على تعزيز الإيرادات غير النفطية وتنويع مصادر تصدير النفط وتطوير منصات التصدير وتوسيع مواقع الخزن، وهي بنود وردت حرفياً في منهاج السوداني دون أن تتحقق.

وقد كشفت أزمة مضيق هرمز إثر الحرب على إيران الحجم الحقيقي لهذا الإخفاق، إذ تبيّن أن البنية التحتية لتصدير النفط هشّة إلى حد الاعتماد على صهاريج برية عبر سوريا، في غياب شبه تام لمسارات تصدير بديلة كانت الحكومات قد وعدت ببنائها منذ سنوات.

كما يعود وعد إصلاح النظام المصرفي مجدداً، في وقت لا تزال فيه عشرات المصارف العراقية خاضعة لعقوبات أميركية بسبب تهريب الدولار وشبهات غسيل الأموال.

وكانت حكومة السوداني قد تعاونت مع مصارف أميركية كبرى بهدف إعادة هيكلة المصارف الحكومية، غير أن المشروع جُمِّد بالكامل جراء ضغط العقوبات من جهة، وضعف رأس المال المصرفي من جهة أخرى.

كما أدرج الزيدي وعد تطوير القطاع الخاص، الذي طالما رددته الحكومات السابقة، في حين ظلت الاستجابة الفعلية تسير في الاتجاه المعاكس، إذ واصلت الحكومات التوسع في التعيينات ضمن القطاع العام بدلاً من دعم القطاع الخاص وتهيئة بيئة ملائمة للاستثمار.

الكهرباء.. أزمة بلا نهاية

منذ الحكومة الأولى بعد 2003، لم يمر صيف عراقي دون وعود بحل أزمة الكهرباء، ولم يمر صيف دون انقطاعات مديدة، ويظل العراق رهين استيراد الغاز الإيراني لتشغيل محطاته، في غياب أي طاقة إنتاجية محلية كافية، بينما يتجدد التحذير من "صيف صعب" مع كل حكومة جديدة، ليصبح هذا التحذير بحد ذاته تقليداً موسمياً راسخاً، وملف يتحرك من أزمة إلى أخرى، لا من خطة إلى إنجاز.

وإلى جانب هذا، تضمن البرنامج تطوير القطاع الزراعي عبر رفده بالتقنيات الحديثة، وهذا الوعد كررته الحكومات السابقة، وبقي وضع المزارعين والأراضي الزراعية دون أي تطوير، وتعتمد على تقنيات الري القديمة، ما دفع إلى تقليل الحصص الزراعية لكل محافظة لأكثر من 60% في كل موسم، بسبب أزمة الجفاف، في وقت أشار متخصصون إلى أن الري الحديث يمكن أن يساهم بتقليل هدر المياه والحفاظ على الخطط الزراعية.

وفي قطاع التربية والتعليم، فقد كرر الزيدي وعدا أدرجته الحكومات السابقة، وهو حل مشكلة نقص الأبنية المدرسية وتطوير التعليم وفق الطرق الحديثة، وهو وعد لم تقم أي حكومة بتحقيقه فما يزال العراق بحاجة إلى قرابة 7 آلاف بناية مدرسية، رغم المضي بمشروع بناء ألف مدرسة الصيني.

وأخيرا، كرر الزيدي وعدا أطلقه السوداني وسعى لتحقيقه منذ سنوات، حتى قبل تسمنه رئاسة الحكومة، وهو إطلاق رخصة هاتف نقال وطنية، وقد أكمل السوداني المشروع، لكنه تعثر في نهايته حسب التصريحات المعلنة ولم يتم إطلاقها.

وبهذا المعنى، لا تبدو حكومة الزيدي أمام اختبار كتابة برنامج حكومي جديد، بل أمام اختبار أكثر صعوبة يتمثل في كسر دورة الوعود المؤجلة التي رافقت الحكومات العراقية المتعاقبة، فمنهاج الزيدي، بكل محاوره وتفاصيله، يعيد فتح الملفات نفسها التي أنهكت حكومات سابقة، من السلاح والفساد إلى النفط والكهرباء والتعليم.

وما لم تتحول هذه الوعود إلى قرارات تصطدم فعلاً بمراكز القوة، فإن الحكومة الجديدة لن تكون سوى نسخة أخرى من تقليد سياسي مألوف، يبدأ بخطة واسعة وينتهي بتبريرات أوسع.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon