"الكولبر"… عندما يتحوّل الظهر إلى شاحنة على "طريق الموت"
امرأتان كولبر تعبران الثلج بأحمال ثقيلة
شفق نيوز ـ أربيل
هنا، عند تخوم حاج عمران (180 كم عن مركز أربيل صوب الحدود الإيرانية)، حيث لا يبدو المعبر معبراً بقدر ما يبدو بوابة إلى جبل لا ينتهي. الهواء هنا حاد، يقطع الوجه مثل شفرة، والثلج يغطّي المسارات القديمة كأنه يريد أن يمحو آثار الذين مرّوا قبل دقائق. على الجانب المقابل، خلف خط لا يُرى بالعين، تبدأ إيران، وعلى هذا الخط بالذات، تتحرك حياة كاملة بصمت، حياة اسمها "الكولبر".
لا تأتي القصة من نقطة التفتيش ولا من الساتر الحدودي، بل تأتي من مكان أبعد، من مطبخ بارد في "بيرانشهر" (مدينة كوردية على الشريط الحدودي في إيران)، من عائلة تقلب ما تبقى في الخزانة، من قائمة مشتريات تتحول إلى ورقة فارغة، ومن سؤال يطرق صباحاتهم بطرق ثقيل، "ماذا سنأكل اليوم"؟.

من بعيد، يظهرون مثل ظل طويل يتلوّى فوق السفح، رجال ونساء، متباعدون بمسافات قصيرة، صامتون كأنهم يتفقون على ألا يضيّعوا الهواء بالكلام. الأحمال فوق الظهور تبدو أكبر من البشر أنفسهم، ليس هنا ما يذكّر بمشهد نقل بضائع بقدر ما يذكّر بمشهد نجاة، كل واحد منهم يحمل نسخة مصغّرة من اقتصاد مكسور، ملفوفة في كرتون أو قماش، ومربوطة بحبل قديم.
الحدود في هذا المكان ليست خطاً سياسياً، إنها ممر رمادي، لا قانون واضح يمكن أن تراه في الثلج، لكنك ترى نتائجه على الأكتاف المنحنية، وعلى الأقدام التي تختبر الأرض قبل أن تخطو، وعلى الوجوه التي تعبت قبل أن تصل إلى الأربعين.
من هم "الكولبر"؟
"كولبر" كلمة كوردية بسيطة في معناها، لكنها قاسية في حقيقتها، كول تعني الظهر، وبر تعني الحامل.وهنا، يصبح الظهر شاحنة، ليست استعارة صحفية، بل وصف حرفي.
هؤلاء عتالون يعملون على الحدود، ينقلون سلعاً على ظهورهم عبر مسارات جبلية وعرة، غالباً من مناطق كوردية فقيرة داخل إيران باتجاه نقاط تسليم قريبة من الشريط الحدودي، أو نحو تجار ينتظرون في العمق الإيراني.
الصورة النمطية تتخيلهم شباباً فقط، لكن المشهد حيث تلتقطها كاميرا وكالة شفق نيوز رجالاً في الخمسين، ونساءً يحملن أحمالاً في طريق لا يفرّق بين جسد وآخر، بل العبء هنا لا يتوزع بالتساوي، فكل جسد يحمل قصته وحده.
في معظم الرحلات التي سمعنا عنها هنا، لا يحمل الكولبر "بضاعة كبيرة" بالمعنى التقليدي، بل يحملون سلعاً خفيفة وسريعة التصريف، الأشياء التي تبدو بسيطة لكنها تُباع بسرعة في الأسواق.
يتحدث لنا أكثر من شخص إنهم يشترون من اربيل ومدن أخرى في الإقليم منتجات إلكترونية وإكسسوارات الهواتف، وسجائر وأقمشة، ثم يسلكون الممرات الجبلية لتسليمها إلى تجار ينتظرون في نقاط تجمع داخل إيران.
الرحلة قد تمتد 10 إلى 12 ساعة، ليس المشي وحده ما يستهلكهم، بل التوقف، ثم الإنطلاق، ثم الالتفاف، ثم الصعود مجدداً، وفي نهايتها، حين ينزلون من السفح وقد نُزعت من أجسادهم آخر طبقة من الدفء، يتقاضون عمولة للرحلة الواحدة بضعة دولارات.
في الشتاء تتغير قواعد اللعبة، لا تعود الرحلة مجرد مشي على حجر، بل تصبح معركة مع الثلج. في بعض المقاطع يصل ارتفاعه إلى حدود متر تقريباً، ويصبح العبور صراعاً مع الانزلاق والتجمد وفقدان الاتجاه. هنا لا ترى الخطر دائماً، لكنه حاضر في الخلفية مثل ظل ثقيل، مفاجآت أمنية، أو طلقة، أو ممر يُغلق فجأة، أو خطأ بسيط يساوي فقداناً للحياة.

وجوه من الطريق
بين الكتل الصامتة التي تتحرك في الجبل، لفتتنا آمنة، وهي امرأة في الستينيات من عمرها من بيرانشهر. حضورها وحده يكسر الصورة التقليدية عن العتال، حين تتكلم لا ترفع صوتها، كأنها اعتادت أن تشرح فقرها دون أن تنتظر جواباً.
تقول إن الظروف الاقتصادية "لا ترحم"، وإن زوجها يعمل معها في المهنة نفسها. لكن "الخطر الأكبر" بالنسبة لها ليس الثلج ولا الانزلاق، بل أن تعود إلى البيت بلا مال.تقول إن العائد ضئيل إلى حد أنه بالكاد يغطي أبسط الاحتياجات، لكنها لا تستطيع التوقف، لأن التوقف يعني أن المطبخ سيبقى بارداً، وأن السؤال ذاته سيعود في الصباح التالي.
على بعد خطوات، كان سليمان، أربعيني يعبر الحدود مرة واحدة يومياً. بدا كمن أنهى سباقاً طويلاً بلا جمهور وهو يفرغ حمله.
يقول لنا: العمل لم يعد خياراً، هو إجبار". ثم يضع حياته في جملة واحدة، "يوم كامل لا يكفي حتى لشراء دجاجة لعائلتي، ومع ذلك لا أستطيع التوقف، لأن التوقف يعني الجوع".
أما مزار، فيتحدث بلغة أكثر تقنية، كأنه يحصي القيود كما يحصي أنفاسه. يقول إنهم مقيدون بما يُسمح لهم بحمله، "خمسة كيلوغرامات فقط".
ويضحك ضحكة قصيرة بلا فرح، ثم يضيف أن هذه الكمية الصغيرة تصبح كبيرة حين تُقارن بفراغ خزائن البيوت: "في اليوم الذي لا نأتي فيه للعمل، لا نجد ما نأكله، نحن نعيش يوماً بيوم".
حين سألنا عن الضحايا، تتبدل نبرة المكان، يتحدثون بخفة أقل، وينظرون حولهم كثيراً. الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات، لأنها متصلة بأسماء ووجوه.

داخل إيران لا يظهر عادة رقم رسمي جامع ومعلن سنوياً عن ضحايا الكولبر، لذلك تأتي الأرقام غالباً عبر منظمات رصد مستقلة وتقارير حقوقية تجمع الحوادث المتفرقة وتحوّلها إلى حصائل.
هذه التقارير تتحدث عن سقوط عشرات الضحايا سنوياً بين قتيل وجريح، وتشير إلى أن جزءاً كبيراً من الحالات يرتبط بإطلاق نار مباشر، إلى جانب أسباب أخرى تتكرر في هذا المكان مثل الانهيارات الثلجية، السقوط من المرتفعات، البرد القارس، حوادث الطرق، وأحياناً الألغام المتبقية في بعض المسارات.
أما لماذا يموتون، فالإجابة لا تأتي من سبب واحد، حيث هناك موت تصنعه الطبيعة، وموت تصنعه الجغرافيا القديمة، وموت تصنعه الرصاصة حين تتحول الحدود إلى مساحة لا يُرى فيها الإنسان إلا بوصفه "متجاوزاً".
في الرواية الرسمية التي تظهر عادةً عبر تصريحات أمنية أو تقارير إعلامية قريبة من الدولة، يُقدَّم الكولبر غالباً بوصفه "مهرّباً" أو "متجاوزاً للحدود"، كما تُربط الحوادث بمكافحة التهريب أو بمخاطر الألغام والطبيعة أو بوجود جماعات مسلحة في بعض الشريط الحدودي.
وفي المقابل، تقول روايات حقوقية إن الفصل بين الكولبر والمهرّب يبقى ضبابياً في كثير من الوقائع، وأن من يدفع الثمن في النهاية هم الذين يمشون بلا حماية على خط الثلج.
في حاج عمران، لا يبدو الكولبر كأبطال ولا كضحايا مكتملين، بل يبدون كأشخاص يفاوضون الحياة على الحد الأدنى.
هنا، ونحن ننظر إلى الظهور المنحنية وهي تختفي في الضباب، تبدو كل هذه التعريفات بعيدة، ما يحدث على الأرض أبسط من السياسة وأقسى منها، حساب يومي صغير تعني خبزاً أكثر، تعني يوماً إضافياً بلا ديون، وكم خطوة على هذا الثلج تفصل بين البيت والجوع.