الغلاء يُفرغ مناضد نساء عراقيات.. مستحضرات التجميل أول ضحايا تأخير الرواتب
شفق نيوز- بغداد
لم تعد مرايا النساء تعكس زينتهن بالكامل كما في السابق، فبين أحمر شفاه يتيم وقنينة عطر وحيدة، تختصر العديد من العراقيات حكاية الغلاء وتأخير الرواتب وضيق المعيشة بهذا "التقشف".
وفي سوقٍ تتصاعد فيه الأسعار بلا هوادة، تحوّلت مستحضرات التجميل من تفاصيل يومية في حياة كل امرأة إلى كماليات مؤجَّلة، ووجدت نساء كثيرات أنفسهن مضطرات للاختيار بين الأساسيات وملامح اعتدن الحفاظ عليها.
ماذا يحدث؟
"مدّ رجليك على قدّ لحافك"، هكذا تقول إخلاص سلمان، ذات الـ29 عاماً، بعد أن أتمّت فرز راتبها حسب الالتزامات المترتبة عليها، ولم يتبقَّ منه شيء لمستحضرات التجميل التي اعتادت شراءها من محال معيّنة.
ولعب تأخير صرف رواتب موظفي القطاع العام دوراً في الارتفاع الملحوظ الذي تشهده الأسواق المحلية لمختلف المواد، ومنها مستحضرات التجميل.
وتضطر سلمان، الموظفة في إحدى وزارات الدولة، إلى ترتيب الأولويات وإنفاق المال على الحاجات الضرورية فقط، بحسب قولها.
وتقول إخلاص سلمان لوكالة شفق نيوز، إن "راتبي الشهري البالغ 800 ألف دينار بقي على حاله منذ سبعة أعوام دون زيادة تُذكر، رغم تباين الأسعار واختلافها عما كانت عليه سابقاً"، منوّهة إلى أن "مستحضرات التجميل التي كنت أقتنيها من محال معروفة في بغداد لم يعد لها أي وجه للصرف بعد موجة الغلاء، وبدأت أقتني مستحضرات تجميل بديلة عن المواد الأصلية".
وأصدرت حكومة تصريف الأعمال مؤخراً قرارات ضريبية وجمركية على بطاقات الاتصالات وخدمات الإنترنت وغيرها من المواد، ضمن سعيها لزيادة الإيرادات غير النفطية، حيث تأثرت العديد من الشرائح الاجتماعية بهذه القرارات الحكومية، بعد ارتفاع أسعار معظم المواد.
ويبدو أن شريحة الموظفين منخفضي الرواتب هي الأشد تأثراً بهذه القرارات، إذ يتحمّل الموظف الإنفاق على أجور الماء والكهرباء والإنترنت والمولدة الكهربائية، إضافة إلى الإنفاق على الأساسيات الأخرى المتعلقة بالعائلة.
رحلة بلا مستحضرات تجميل
أما النساء الموظفات اللواتي تأثرن كثيراً بتأخير صرف الرواتب، فقد أدهشهن ارتفاع أسعار مواد التجميل التي تُعد أساسية في حياتهن، لا سيما بعد الإجراءات الحكومية الأخيرة، ما دفعهن إلى استخدام مواد بديلة لا تلبّي الغرض، إن لم تعطِ نتائج معكوسة.
وتوضح أسماء خضير، لوكالة شفق نيوز، أنها كانت تستخدم مرهماً من أجل نضارة البشرة و"كان يعطي نتائج جيدة"، مشيرة إلى أن "سعره ارتفع مؤخراً في الأسواق إلى أكثر من ضعفين، لذا استخدمت مرهماً بديلاً بسعر أقل، إلا أن النتيجة كانت مخيبة".
بينما تتحدث الطالبة الجامعية مريم كريم، عن تجربتها في استخدام مستحضرات التجميل، بالقول إن "مواد التجميل الأصلية باهظة الثمن، أما المواد التي يتم تقليدها فنتائجها تكون سلبية للغاية".
وتواصل كريم حديثها لوكالة شفق نيوز، مؤكدةً أن "العديد من النساء أصبحن يستخدمن الماركات المقلدة بسبب ارتفاع أسعار الأصلية مؤخراً، وهو ما سمح بانتشار ظاهرة التقليد على نطاق واسع".
في حين، تقول ثريا باسم إن "الوضع المالي لا يكفي لسد الحاجات الضرورية، لذلك تم الاستغناء عن العديد من المواد الكمالية".
وتضيف باسم، خلال حديثها لوكالة شفق نيوز، أن منضدتها التي "تنتصب فوقها مرآة كبيرة كانت تعج بمختلف مستحضرات التجميل والعطور، أما الآن فلم يعد على هذه المنضدة سوى أحمر الشفاه والكحل وقنينة عطر وحيدة".
وتلفت إلى أن "تأخير صرف الرواتب له تأثير كبير على الحياة الاقتصادية لمعظم العائلات العراقية التي تغرق بالديون لحين استلام الراتب".
أرقام من الواقع
وبسبب الضرائب والرسوم والخوف من عدم تأمين رواتب موظفي الدولة، التزم العديد جانب التقشف، فيما لجأت كثيرات من النساء إلى استخدام مواد مقلدة، إذ انتشرت مؤخراً في المناطق الشعبية محال مستحضرات التجميل وخلطات التبييض بأسعار قد تناسب ذوات الدخل المحدود.
ويعمد باعة هذه "الخلطات" إلى أساليب الترويج والتسويق الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي لكسب الزبائن.
وتقول خبيرة التجميل هبة كمال، لوكالة شفق نيوز، إن "الطلب على المواد الأصلية مثل الأصباغ والشامبو وغيرها انخفض بنسبة كبيرة، بعد أن أصبحت أغلب النساء يبحثن عن بدائل بسبب الضائقة المالية".
ووفقاً لكمال، فإن صبغ الشعر كان لا يتجاوز سعره 40 ألف دينار في الصالونات الشعبية، وارتفع مؤخراً إلى أكثر من 60 ألف دينار.
وتحذر من أن "ارتفاع أسعار مستحضرات التجميل يفتح الباب أمام المواد المقلدة أو المهربة التي لا تخضع للرقابة والفحص الطبي".
ويشير معنيون، إلى حالة التفكك الاقتصادي التي تشهدها البلاد، بسبب غياب الرؤية والتخطيط والقرارات غير المدروسة التي يكون لها أثر سلبي على الوضع الاقتصادي للمواطنين.
الجانب الاقتصادي
بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي خالد الجابري، لوكالة شفق نيوز، أن "ما يحدث في السوق المحلية حالياً لا يمكن توصيفه كحالة (انفتاح تجاري)، بل كحالة تفكك اقتصادي بطيء تدفع ثمنه الطبقة الوسطى، إذ أدى غياب التنظيم وضعف الرقابة المصرفية والتجارية إلى توسّع كمي في النشاط التجاري دون أي توسّع نوعي في القيمة، ما سمح بدخول واسع للتجارة دون معايير جودة أو التزامات واضحة، وبدلاً من أن يقود ذلك إلى منافسة صحية، انحاز السوق قسراً نحو السلع ذات الجودة المتدنية".
ويرى أن "هذا الانحياز لم يكن خياراً حراً، بل نتيجة لسلوك ربحي قصير الأجل، وغياب الردع والتنظيم، إضافة إلى ضعف دخل المستهلك، ما قلّص قدرته على الاختيار"، مشيراً إلى أن النتائج أسفرت عن الوقوع في فخ الاستهلاك الرديء بكلفة إجمالية أعلى على المدى المتوسط، بسبب تراجع قدرة الأسر على بناء أي استقرار مالي.
كما يتابع الجابري، قائلاً إن "الأخطر في ذلك أن هذا النمط الاستهلاكي أشد ضرراً من الغلاء، لأن الغلاء يُلاحظ ويُناقش، بينما الاستهلاك الرديء يستنزف دخل المواطن بصمت ويقضي تدريجياً على الطبقة الوسطى".
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن الحكومة، في المقابل، تحاول معالجة الأزمة بأدوات جباية تقليدية، فتفرض ضرائب ورسوم على اقتصاد هش أصلاً، بدلاً من إصلاح بنيته، لكن هذا المسار لا يصحّح السوق، بل يضغط على معيشة المواطن ويدفع نحو توسّع الاقتصاد غير الرسمي.
وينوّه الجابري، إلى أن "المشكلة ليست في التجارة أو الاستيراد، بل في غياب الدور التنظيمي للدولة، فالسوق بلا تنظيم، والمستهلك بلا حماية، والجباية بلا إنتاج، وهذه الأمور تؤدي حتماً إلى تدمير الطبقة الوسطى بصمت".
ويعزو أصحاب محال بيع مستحضرات التجميل ارتفاع الأسعار إلى عدة عوامل، منها ارتفاع أسعار شحن المنتجات.
بينما يقول صاحب محل لبيع المستحضرات، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إن "ارتفاع أسعار مستحضرات التجميل في الأعوام السابقة كان طفيفاً، لذا لم يكن له تأثير كبير على الزبائن".
ويضيف للوكالة، أن "قرار الحكومة المتعلق بفرض الضرائب دفع التجار والمستوردين إلى عدم الاستيراد في الوقت الحاضر بانتظار التعليمات الحكومية".
ويتحدث قائلاً إن وكلاء بعض الشركات الموجودة في العراق، بادروا بسبب هذا التوقف إلى رفع أسعار المنتجات الموجودة لديهم أصلاً، والتي لم يتم استيرادها حديثاً.
وينوه في الوقت نفسه إلى "وجود صعوبة في عمليات الاستيراد مؤخراً بسبب الإجراءات الحكومية المتعلقة بالاستيراد، ومنها عملية (المنيفيست)، إذ يتوجب على المستورد مراسلة المصنع الذي ينوي الاستيراد منه، ليزوّده بدوره باستمارة بالمواد المتوفرة لديه، ثم يقوم المستورد بإرسال الأموال على أساس الاستمارة، بينما تستغرق عملية تحويل الأموال وقتاً طويلاً، ما يؤدي إلى تأخير الحوالة ووصول البضاعة".
ويختم حديثه بالقول إن "بضائع مستحضرات التجميل تتأثر في فصل الصيف بارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يؤدي إلى تلف المواد عند تأخر وصولها".