العمل والمال لا يصنعان وطنا.. باربل الألمانية تفتح سجل ثماني سنوات مع اللاجئين
باربل درومان وزوجها
شفق نيوز- برلين
ظنّ "سالم" أنه نجا أخيراً.
وسالم، وهو اسم مستعار لرجل عراقي تجاوز الخمسين من عمره، بدا وكأنه وصل أخيراً إلى شيء من الاستقرار في ألمانيا. حصل على وظيفة جيدة، وأصبح لديه مسكن، وتمكن من السيطرة على مشكلة إدمان عانى منها.
كانت حياته، للمرة الأولى، تأخذ شكلاً طبيعياً.
لكن ذلك الاستقرار لم يدم.
البداية، كما ترويها الألمانية باربل درومان التي رافقت سالم خلال تلك المرحلة، كانت خلافاً في مكان العمل. كان صاحب العمل يرى أن رجلاً يعيش في ألمانيا من دون عائلته يستطيع العمل أيام السبت وقضاء ساعات إضافية في وظيفته. أما سالم، فكان يريد أن تبقى له حياة بعد انتهاء الدوام.
ومع الوقت، اتسع الخلاف. أصبح مستوى لغته الألمانية موضع انتقاد، وقيل إنه لا يبذل جهداً كافياً في تعلم المفردات، فيما لم يعد الجهد البدني الذي كان يقدمه في العمل يحظى بالتقدير نفسه.
توالت حالات سوء الفهم، ثم الإجازات المرضية، إلى أن خسر وظيفته.
ولم تكن خسارة العمل بالنسبة إليه مجرد فقدان لمصدر الدخل. تقول درومان إن وضعه في ألمانيا أصبح بعدها أكثر هشاشة، وإنه واجه احتمال إعادته إلى العراق، قبل أن يغادر البلاد متجهاً إلى بريطانيا.
ما زالت قصة سالم عالقة في ذاكرة درومان.
ليس لأنها الأكثر مأساوية بالضرورة بين ما شهدته، بل لأنها رأت فيها كيف يمكن لاستقرار بُني بصعوبة أن يبدأ بالتفكك بسرعة، وكيف أن وظيفة ومسكن ومحاولات طويلة لبناء حياة جديدة قد لا تكون كافية دائماً لحمايتها.
وسالم لم يكن سوى واحد من أشخاص كثيرين مروا في حياة هذه المرأة الألمانية خلال نحو ثماني سنوات من مساعدة اللاجئين.
بعضهم نجح. وبعضهم تعثر. وبعضهم خرج من حياتها من دون أن تستمر العلاقة التي نشأت بينهم.
وبين هذه التجارب جميعاً، تقول درومان التي تحدثت لوكالة شفق نيوز، إنها تعلمت أن الاندماج أكثر تعقيداً من الحصول على وظيفة أو تعلم اللغة، وأن النجاح الذي يمكن قياسه بعقد عمل أو شهادة مهنية لا يكشف بالضرورة ما يحدث بعد أن يعود الإنسان في نهاية اليوم إلى منزل لا ينتظره فيه أحد.
لقاء بعد القداس
تبلغ باربل درومان 64 عاماً، وهي أم لثلاثة أبناء وتعيش مع زوجها في إحدى مدن ولاية شمال الراين وستفاليا. وتقول إن معاناتها من إعاقة جسدية جعلت مساعدة الأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً اجتماعية صعبة أمراً قريباً منها منذ سنوات.
لكن علاقتها المباشرة باللاجئين بدأت عام 2017، في وقت كانت ألمانيا لا تزال تتعامل مع تداعيات واحدة من أكبر موجات اللجوء في تاريخها الحديث. ففي عامي 2015 و2016، سُجل أكثر من 1.16 مليون طلب لجوء أولي، وفق بيانات المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، بعدما أصبحت البلاد إحدى الوجهات الرئيسية للفارين من الحروب والاضطرابات في الشرق الأوسط وآسيا.
بعد انتهاء قداس في كنيستها الإنجيلية، التقت درومان مجموعة من اللاجئين كانوا يتحدثون عن تجاربهم الشخصية. عرضت هي وزوجها مساعدة من لديه أسئلة بشأن حياته في ألمانيا أو يحتاج إلى دعم في التعامل مع ظروفه الجديدة.
وبعد أسبوع، التقيا رجلين، أحدهما أفغاني والآخر إيراني.
تحدثا عن رحلة اللجوء، وعن العائلات التي تركاها وراءهما، وعن المشكلات التي واجهاها مع الدوائر الألمانية. كان الاثنان يعيشان في مراكز إيواء ويرغبان في الانتقال إلى سكن مستقل، لكنه لم يكن متاحاً لهما في تلك المرحلة، فيما كانا يتعلمان الألمانية من دون أن تكون لديهما صورة واضحة عما سيأتي بعد انتهاء دورات اللغة.
بعد فترة قصيرة جاء عيد الميلاد، ودعت عائلة درومان الرجلين إلى منزلها.
كانت تلك المرة الأولى التي يشاهدان فيها شجرة عيد ميلاد ألمانية مزينة ويجلسان إلى مائدة مع عائلة محلية. وكان كل منهما، بحسب درومان، قد جاء من أسرة تضم سبعة أبناء، فيما أصبح ذلك الشعور بالعائلة والأمان الذي اعتاداه بعيداً في ألمانيا.
حاولت أسرة درومان أن تخفف من ذلك الفراغ، بدعوتهما إلى الطعام بصورة متكررة، ومساعدتهما في متطلبات الحياة اليومية، وحتى إعارة سيارة عندما يحتاجان إلى نقل أغراضهما.
مع الوقت، بدأت حياة الرجلين تتغير.
تمكن الإيراني من مغادرة مركز الإيواء، ثم بدأ تدريباً مهنياً في مجال الصناعات المعدنية. أما الرجل الأفغاني، فساعدته درومان وزوجها في العثور على تدريب في مجال الكهرباء، ثم على فرصة للتأهيل المهني في دورتموند، بعد ما تصفه بصراع طويل مع الإجراءات الرسمية المتعلقة بانتقاله.
أنهى الرجلان تدريبهما، وعملا لاحقاً في تخصصيهما، ثم حصلا على مؤهلات مهنية إضافية.
وتصف درومان ذلك بأنه "قصة نجاح"، لكنها اكتشفت أن النجاح المهني لا يحل كل شيء.
فالعمل ينتهي في ساعة معينة، ثم يعود الإنسان إلى منزله. وهناك كانت المشكلة التي لم تستطع الوظيفة أو الراتب أن تعالجها.
"الأمر لا ينتهي بالعمل وكسب المال"، تقول درومان، مشيرة إلى أن الشعور بالوحدة بعد انتهاء يوم العمل بقي حاضراً، وأن عائلتها لم تستطع، رغم قربها من الرجلين، أن تزيله بالكامل.
ومن هنا بدأت تتشكل لديها نظرة مختلفة إلى الاندماج.
فالوظيفة والسكن والشهادة المهنية يمكن أن تقول الكثير عن قدرة الإنسان على بناء حياته، لكنها لا تقول بالضرورة شيئاً عن شعوره بأنه أصبح جزءاً من المكان الجديد.
13 لاجئاً
انتشرت أخبار مساعدة درومان وزوجها داخل مجتمع اللاجئين في مدينة فيرنه.
ومع الوقت، أصبحا على تواصل مع نحو 13 لاجئاً، وساعدا بعضهم في تحسين ظروف السكن، وآخرين في تقديم الطلبات والحصول على تصاريح الإقامة أو تمديدها.
لكن المشكلات لم تكن إدارية فقط.
تقول درومان إن بعض الأشخاص الذين عرفتهم وصلوا إلى ألمانيا وهم يحملون معهم مشكلات نفسية مرتبطة بما عاشوه في بلدانهم، سواء بسبب الظروف السياسية أو الدينية أو أوضاع أسرية صعبة.
وكانت تلك المشكلات تظهر بقوة عندما تعود الوحدة في المساء، ولا يجد الشخص من يتحدث إليه، بينما لا يستطيع أفراد عائلته في بلده الأصلي أن يفهموا تماماً ما الذي يعيشه في ألمانيا.
وترى درومان أن طول الانتظار يزيد هذه الأوضاع تعقيداً.
فبدلاً من بقاء اللاجئ فترة طويلة بعيداً عن سوق العمل، تعتقد أنه ينبغي منحه فرصة أسرع لتعلم اللغة أو دخول العمل بالتوازي معها.
"اللغة تُتعلم أيضاً عندما يتعامل الإنسان مع الناس ويعمل معهم"، تقول.
فالعمل، من وجهة نظرها، لا يوفر المال فقط. إنه يضع الإنسان وسط المجتمع، ويمنحه روتيناً يومياً ويخرجه من الفراغ.
وتقول إن الملل والعزلة قد يدفعان بعض الأشخاص إلى الإدمان، مشيرة إلى توفير برامج للمساعدة في التعامل مع إدمان الكحول بلغات من بينها الفارسية.
لكن الدخول إلى سوق العمل نفسه ليس سهلاً دائماً.
تقول درومان إن ألمانيا تعتمد كثيراً على الشهادات والوثائق التي تثبت التأهيل، وإن العامل الذي لا يحمل مؤهلات معترفاً بها ولا يجيد الألمانية جيداً يجد نفسه أمام صعوبات أكبر.
لم تكن درومان وزوجها مجرد شخصين يساعدان اللاجئين في ملء الاستمارات أو مراجعة الدوائر، مع مرور السنوات، أصبحت قصص من يساعدانهم جزءاً من حياتهما أيضاً: "قصص النجاح كانت تمنحنا القوة للاستمرار".
لكن المشكلات النفسية والتجارب الشخصية القاسية، إلى جانب المراجعات المتكررة مع دوائر الأجانب والعمل والصحة، استنزفت طاقتهما ووصلت أحياناً إلى ليال من دون نوم، كما تشير. واليوم، تقول إنها تشعر بالارتياح لأن كثيراً ممن ساعدتهم يعيشون في أوضاع آمنة ولم يعودوا بحاجة إلى دعمها المباشر.
ومع ذلك، ما زالت تحب أن تعرف أين يعيشون وما إذا كانوا بخير. لكن ليست كل العلاقات استمرت.
خيبة
كان الرجل الأفغاني الذي عرفته درومان منذ عام 2017 من أوائل الأشخاص الذين دخلوا حياة العائلة.
استمرت العلاقة سنوات، ثم وصلت زوجته إلى ألمانيا، وتقول درومان إن الزوجين زارا منزلها مرة واحدة، وبعد ذلك انقطع الاتصال بهما تماماً، أحزنها ذلك. ومع مرور الوقت، ترك لديها أيضاً شعوراً بأنها ربما تعرضت للاستغلال.
وتقول إن المساعدة شملت أيضاً إنفاق أموال على تجهيز مساكن وتوفير وسائل نقل والمساهمة في تكاليف الحصول على رخص القيادة. ومع الوقت، دفعتها بعض هذه التجارب إلى إعادة النظر في حدود المساعدة التي يمكن أن تقدمها.
كانت هناك أيضاً مواقف جعلت الاختلاف الثقافي أكثر وضوحاً كما تشير في حديثها: "لم أكن مرتاحة عندما كان بعض الشبان اللاجئين ينادونني "ماما"، ربما تعبر عن محاولة لصنع شعور بالقرب، كما رفضت عندما طُلب مني مساعدة بعض الشبان في العثور على نساء للزواج".
بعد قرابة ثماني سنوات، لم تعد درومان تتحدث عن اللاجئين بوصفهم قصة نجاح واحدة، ولا بوصفهم مشكلة واحدة. تجربتها تركت لديها صورة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
رأت رجلاً أفغانياً وآخر إيرانياً ينتقلان من مركز الإيواء إلى التدريب فالعمل فالتقدم المهني. ورأت رجلاً عراقياً في الخمسين من عمره يستعيد استقراره، ثم يخسره من جديد، ويغادر ألمانيا. شهدت أشخاصاً يصارعون الوحدة والإدمان والاضطرابات النفسية، وعاشت هي نفسها خيبة انقطاع علاقات ظنت أنها ستدوم سنوات. ورأت أيضاً أن الاختلاف الثقافي حاضر دائماً، وأن محاولة الاندماج لا تعني اختفاءه.
لكن أكثر ما تنتقده درومان في كل ما عاشته ليس وجود هذا الاختلاف، بل الانتظار. فإبقاء الإنسان بعيداً عن العمل والحياة اليومية لفترة طويلة، كما ترى، لا يساعده على تعلّم اللغة، ولا على بناء علاقات، ولا على الشعور بأنه جزء حقيقي من المجتمع.
ولهذا، حين تنظر اليوم إلى السنوات التي بدأت بذلك اللقاء العابر أمام كنيسة عام 2017، لا تتذكر درومان فقط الأشخاص الذين ساعدتهم في الحصول على وظائف أو مساكن أو إقامات. هناك، بعيداً عن الملفات وشهادات اللغة وعقود العمل، كان يبدأ الاختبار الأصعب، أن يجد الإنسان مكاناً آمناً يعيش فيه. وأن يشعر، فوق ذلك، بأن هذا المكان صار حياته.