11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

العمالة الأجنبية.. "مجتمعات موازية" تثير قلق العراقيين: لماذا اختاروا العزلة؟

العمالة الأجنبية.. "مجتمعات موازية" تثير قلق العراقيين: لماذا اختاروا العزلة؟
2026-07-13T09:04:25+00:00

شفق نيوز- بغداد

لم تعد العمالة الأجنبية في العراق تقتصر على الأعمال الخدمية، كالمطاعم وأعمال التنظيف وغيرها من المهن البدنية المعروفة، بل اتسع حضورها ليشمل وظائف إدارية وتقنية وهندسية ومتخصصة في مؤسسات حكومية وأهلية، بينها المستشفيات والشركات والمصانع.

وتقيم شريحة من هذه العمالة حالياً في مجمعات سكنية مغلقة ومعزولة إلى حد كبير عن المجتمع البغدادي، تُوصف بأنها "مجتمعات موازية".

ويثير هذا الواقع تساؤلات بشأن تأثير هذه المجتمعات على البنية الثقافية والاجتماعية المحلية على المدى البعيد، وما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات تضمن حماية الهوية المجتمعية، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الخبرات الأجنبية.

ومن الواضح أن العمال الأجانب الذين يعيشون في هذه التجمعات ينحدرون من دول تختلف في ثقافاتها ودياناتها وأنماط حياتها، إلا أنهم يمارسون جزءاً كبيراً من حياتهم اليومية بصورة منفصلة عن المجتمع المحلي، سواء من ناحية السكن أو اللغة أو العلاقات الاجتماعية.

في حين يبقى تفاعل هذه الشريحة مع السكان العراقيين محدوداً، وينحصر غالباً في إطار العمل أو التعاملات الضرورية، إذ يفضل معظمهم التواصل مع أبناء جنسياتهم أو زملائهم في بيئة العمل، مع مشاركة محدودة في الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع العراقي.

وتؤكد المواطنة نورس حسين، التي تسكن في أحد المجمعات السكنية القريبة من تجمعات يقطنها عمال أجانب، أن "جميع خدمات المجمع الذي أسكن فيه تُدار من قبل عمال أجانب، بما في ذلك الحراسة والجباية".

وتضيف، في حديثها لوكالة شفق نيوز، أن "المجمع الذي يقيم فيه العمال الأجانب يضم مهندسين وإداريين وتقنيين يعملون في شركات عراقية حكومية وأهلية بارزة"، مشيرة إلى أن "صعوبة التعامل معهم لا تعود إلى اللغة فقط، بل إلى طبيعة السلوكيات التي تصدر عنهم، ما يجعلنا نشعر بالغربة".

وتلفت إلى أن "سكان المجمع مستاؤون من إدارة شؤونهم من قبل أجانب معزولين عن التواصل معنا"، مردفة: "حتى عندما يحتاج السكان إلى خدمة أو استفسار، فإن هؤلاء لا يستجيبون أو لا يتفاعلون بالشكل المطلوب".

ولا يختلف المواطن حسين علي (40 عاماً) عن هذا الرأي، إذ يقول، في حديثه لوكالة شفق نيوز، إن "انغلاق العمال الأجانب من أصحاب الكفاءات يجعل التفاهم معهم صعباً، ويزيد من تعقيد الموقف".

ويشير علي، إلى أن "المجمع الذي يسكن فيه يُدار بنسبة 90 بالمئة من قبل أجانب يعملون في شركات ومصانع عراقية ويقيمون في مجمع سكني معزول".

وطبقاً لما يقول: "عندما اتصل بالشركة لإعادة تأسيس الكهرباء في شقته، أرسلت له مهندساً أجنبياً نفذ العمل وفق رؤيته الخاصة، وليس وفق ما طلبته"، مضيفاً أن "المهندس لم يكترث لملاحظاته، وكان يكتفي بابتسامة غامضة ويواصل عمله".

وفي المقابل، حاولت وكالة شفق نيوز التواصل مع عدد من العمال الأجانب، إلا أن معظمهم رفضوا الحديث، مبررين ذلك بخشيتهم من تأثير تصريحاتهم في أوضاعهم الوظيفية أو إقاماتهم. ووافق أحدهم على الحديث باسم مستعار، مكتفياً بالتعريف عن نفسه باسم "سامر".

ويقول إن "العزلة ليست خياراً دائماً بالنسبة إلينا، فكثير من العمال يعملون لساعات طويلة، وتنظم الشركات سكنهم وتنقلهم داخل مجمعات مخصصة، ما يجعل فرص الاحتكاك بالمجتمع محدودة منذ البداية".

ويضيف أن "حاجز اللغة والخوف من سوء الفهم يجعلان بعض العمال يتجنبون الحديث أو الدخول في نقاشات طويلة، وهذا قد يُفسر أحياناً على أنه تجاهل أو تعالٍ، بينما يكون سببه في الغالب عدم القدرة على التعبير أو الخشية من ارتكاب خطأ".

وبحسب "سامر": "على الرغم من أن غالبية العراقيين يرحبون بنا، لكن بعض العمال يشعرون أيضاً بأنهم موضع مراقبة أو أحكام مسبقة ، ولا يعرفون القوانين والعادات الاجتماعية بصورة كافية، لذلك يفضلون البقاء داخل محيط زملائهم حيث يشعرون بأمان أكبر.

ويتابع أن "معظمنا جاء إلى العراق للعمل وتأمين دخل لعائلته، وليس لتشكيل مجتمع منفصل أو منافسة العراقيين، لكننا نحتاج إلى برامج تعريف باللغة والعادات، وفرص تواصل منظمة مع الموظفين والسكان المحليين، بدلاً من ترك العلاقة محصورة في العمل والمشكلات اليومية".

ويرى أن مسؤولية الاندماج لا تقع على العامل الأجنبي وحده، بل تشمل الشركات التي تستقدمه وتحدد مكان إقامته وساعات عمله.

وتبرز هنا مشكلة الاندماج الاجتماعي، إذ إن هذه التجمعات المعزولة قد تقلل من فرص نقل الخبرات والتبادل الثقافي بين المقيمين والمجتمع المحلي.

وفي هذا السياق، يرى رئيس الاتحاد العراقي لنقابات العمال، وليد نعمة فارس، أن "وجود العمالة الأجنبية المتخصصة ليس مشكلة بحد ذاته، إذ يمكن أن يسهم في نقل الخبرات وسد احتياجات سوق العمل".

ويضيف أن "التحدي الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه العمالة إلى مجتمعات موازية تعيش في عزلة عن المجتمع المحلي داخل مجمعات مغلقة، لها أنظمة وخدمات وأنماط حياة منفصلة".

ويلفت إلى أن "مع مرور الوقت قد تتفاقم مشكلة البطالة بين الشباب، ولا سيما أصحاب الشهادات والكفاءات، عندما يشغل الأجانب بعض الوظائف المهمة من دون تأهيل العراقيين لشغلها، وهو ما قد يضعف فرص نقل المعرفة، ويعمق الشعور بعدم تكافؤ الفرص، ويؤثر في التماسك الاجتماعي على المدى البعيد".

ويؤكد رئيس الاتحاد العراقي لنقابات العمال أن "التنمية المستدامة لا تقوم على استقدام الخبرات فقط، بل على توطين المعرفة، وتمكين الكفاءات الوطنية، ووضع سياسات تحقق التوازن بين الاستفادة من الخبرات الأجنبية وتوفير فرص العمل للمواطنين، بما يحفظ الهوية الوطنية ويعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي".

وتنشط العمالة الأجنبية المتخصصة في العديد من الشركات المحلية الكبرى، إذ تضم هذه الشركات تقنيين وفنيين ومهندسين وأصحاب شهادات عليا، يحصلون على رواتب مجزية، ويقيمون في مجمعات سكنية معزولة تتمتع بخدمات متكاملة.

ويقول سيف فرات، صاحب شركة يعمل فيها عدد من الأيدي العاملة الأجنبية، إن "نسبة جيدة من أصحاب الاختصاصات الأجنبية يؤدون أعمالهم بانسيابية داخل الشركة"، مؤكداً أن "نحو 35 بالمئة من العاملين الأجانب المختصين يواصلون عملهم بانتظام، وأسهموا في تطوير الشركة حتى أصبحت معروفة على المستوى الإقليمي".

ويبين، لوكالة شفق نيوز، أن "العديد من التقنيين والمهندسين الأجانب أحدثوا منذ انضمامهم إلى الشركة تغييرات مهمة في مختلف مفاصل العمل، وهو أمر إيجابي للغاية".

وقام فرات، بتوظيف خريجين عراقيين من الجامعات والمعاهد في اختصاصات الهندسة والتقنيات والإلكترونيات، بهدف الاستفادة من الخبرات الأجنبية في تطوير قدراتهم، بحسب قوله.

ويؤكد أن المشكلة الأساسية مع أصحاب الاختصاصات الأجانب تتمثل في قلة تفاعلهم وعدم استعدادهم لنقل خبراتهم إلى الشباب العراقي إلا في نطاق محدود، فضلاً عن الاختلافات الثقافية والاجتماعية التي تشكل حاجزاً أمام التقارب والتفاهم بينهم وبين الموظفين العراقيين.

ويسهم انغلاق هذه المجتمعات الموازية على نفسها في تقليص فرص التبادل الثقافي والاجتماعي مع المجتمع الأوسع.

وتقول الباحثة الاجتماعية مناهل الصالح، لوكالة شفق نيوز، إن "أي مجتمع يستضيف أعداداً كبيرة من الكفاءات الأجنبية يحتاج إلى إيجاد مساحة مشتركة بينها وبين المجتمع المحلي".

وتخلص مناهل إلى أن "استمرار العيش في بيئات مغلقة يحرم الطرفين من تبادل المعرفة والخبرات"، مبينة أن "الانعزال لفترات طويلة قد يخلق فجوة اجتماعية وثقافية، تجعل العلاقة تقتصر على المصالح الاقتصادية، بدلاً من أن تتحول إلى شراكة تسهم في تنمية المجتمع وتعزيز التفاهم بين الثقافات.

وبينما تحتاج السوق العراقية إلى الخبرات الأجنبية في عدد من القطاعات، يرى مختصون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الكفاءات، بل في تحولها إلى مجتمعات مغلقة لا تنقل خبراتها ولا تندمج مع محيطها، الأمر الذي قد يخلق فجوة اجتماعية ومهنية تتسع مع مرور الوقت، ما لم ترافق سياسة استقدام الخبرات برامج حقيقية لتأهيل الكفاءات العراقية وتوطين المعرفة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon