العراق وغضب الجوار.. مسيّرات الفصائل تفتح جبهة دبلوماسية
شفق نيوز- بغداد/ دمشق
تكشف هجمات الفصائل المسلحة التي تنطلق من داخل الأراضي العراقية تجاه دول الجوار، وخاصة سوريا والكويت، تصعيداً جديداً في الصراع الدائر بالمنطقة، وسط تحذيرات من تداعياته على استقرار العراق الداخلي ومستقبل علاقاته الإقليمية.
وتشير الأحداث الأخيرة إلى أن استهدافات الفصائل لم تعد تقتصر على قواعد عسكرية، بل امتدت لتطال منشآت مدنية وبنى تحتية، كما حدث في الكويت، تزامناً مع إعلان "تنسيقية المقاومة" في العراق تنفيذ 21 عملية بطائرات مسيّرة استهدفت ما وصفته بـ"قواعد الاحتلال" داخل العراق وخارجه.
وهذا ما دفع كلاً من السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر والأردن إلى دعوة الحكومة العراقية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنها الفصائل والميليشيات والمجموعات المسلحة من الأراضي العراقية باتجاه دول الجوار بشكل فوري، وذلك حفاظاً على العلاقات الأخوية وتجنباً لمزيد من التصعيد.
التصعيد الإقليمي
في هذا السياق، يرى المحلل السياسي السوري أحمد كامل، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن هذه التطورات تصب في غير مصلحة العراق بالدرجة الأولى، مبيناً أن هذا يضر بالعراق أكثر مما يضر بسوريا، فالصواريخ ضعيفة وقليلة وتصيب أماكن ليست ذات أهمية ولا تؤثر، لكنها على العراق تؤثر كثيراً وتجعله طرفاً في هذه المعركة.
من جانبه، يؤكد الباحث في الشأن السياسي زياد العرار، أن العراق لم يعد مجرد ساحة عبور، بل أصبح "طرفاً فاعلاً" في الحرب الدائرة.
ويضيف في حديث لوكالة شفق نيوز، أن "عملية القصف التي حصلت من الأراضي العراقية إلى القاعدة في سوريا ستكون لها تبعات على العلاقات بين بغداد ودمشق، وتداعيات على الوضع العام للرؤية الإقليمية والدولية حول الوضع في العراق".
ويشير العرار، إلى أن "الحكومة العراقية تحاول جاهدة تجنب الانخراط المباشر في الصراع"، لافتاً إلى أن "العراق في مرحلة ووضع حرج، وتحاول الحكومة والأطراف السياسية النأي به عن الاشتراك الفعلي في الحرب، وهو حتى الآن ينفي ذلك ويسعى لمنع تكرار القصف".
لكن هذه الجهود، بحسب العرار، تصطدم بواقع معقد، مبيناً أن "طبيعة المعركة الحالية بين أميركا وإسرائيل من طرف، وإيران من طرف آخر، ووقوف الفصائل المسلحة بمساندة إيران، عقدت المشهد، خاصة بعد صدور إدانة وعتب عربي على العراق باستهداف بلدان عربية من قبل فصائل مسلحة من داخل العراق".
وتُرجمت هذه الإدانة العربية إلى خطوات دبلوماسية، كما في الحالة الكويتية التي استدعت، أمس الاثنين، السفير العراقي لديها، وذلك للمرة الثانية على خلفية الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة على أراضيها.
في المقابل، وعلى صعيد الرواية الأمنية المقرّبة من الفصائل، فإن العراق يتخذ إجراءات لحماية حدوده، وفق القيادي في منظمة بدر معين الكاظمي، قائلاً إن "الحكومة العراقية أعلنت موقفها من أمن المنطقة ونشرت القوات الأمنية على طول الحدود مع سوريا"، مشيراً إلى وجود "تحركات لتنظيم داعش داخل الأراضي السورية، إلى جانب قواعد أجنبية".
ويعتقد الكاظمي، خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، أن "استهداف مقرات الحشد الشعبي غير مبرر، وبعض هذه الهجمات تنطلق من داخل سوريا"، داعياً الحكومة السورية إلى "ضبط التحركات المريبة قرب الحدود ومنع استخدامها بما يهدد أمن العراق".
مخالفة دستورية
وبعيداً عن التفسيرات السياسية، يسلط الباحث السياسي عبد القادر النايل الضوء على البعد القانوني لهذه الاستهدافات، مؤكداً أن "الدستور الحالي في العراق يمنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الدول المجاورة، كما أن المادة التاسعة تحظر تكوين جماعات مسلحة خارج وزارتي الدفاع والداخلية".
وفي حديث لوكالة شفق نيوز، يؤكد النايل، أن "القانون العراقي النافذ يصنف الجماعات المسلحة ضمن الإرهاب، وتصل عقوبة استخدام الأراضي العراقية للهجوم على دول الجوار إلى الإعدام، وأن استمرار هذه الهجمات دون ردع حكومي حازم يضع العراق في موقف خطير دولياً".
ويثير النايل تساؤلات حادة حول قدرة الدولة على فرض سيطرتها، قائلاً: "يستغرب المراقبون كيفية عبور الصواريخ والطائرات المسيّرة حواجز التفتيش الحكومية دون أن تتم مصادرتها"، مضيفاً أن "الاتهامات بدأت تطال الحكومة نفسها".
وينوه إلى أن أحد أخطر التداعيات هو احتمال تعرض العراق لردود عسكرية من الدول المستهدفة، قائلاً إن "الدول التي استُهدفت لها الحق في الرد على مصادر النيران وتعقب هذه الجماعات ضمن القانون الدولي".
ولا تقتصر المخاطر على البعد الخارجي، إذ يلفت النايل إلى أن الفصائل المسلحة باتت تستهدف الداخل العراقي أيضاً، "حيث تستمر بقصف إقليم كوردستان، ووصل الحال إلى قصف جهاز المخابرات وسط العاصمة بغداد، ومع عدم اعتقال منفذي هذه الهجمات، فإن ذلك يؤكد وجود نفوذ يتحكم بهذه الجماعات".
ساحة صراع
وفي قراءة أكثر شمولاً، يرى المحلل السياسي أحمد الحمداني، أن "ما يحدث ليس جديداً، بل هو امتداد لدور العراق التاريخي كساحة صراع"، مشيراً إلى أن "العراق ساحة لتصفية الحسابات منذ الأزل"، لكنه يشير إلى تطور خطير في المرحلة الحالية.
ويقول الحمداني، لوكالة شفق نيوز، إن "القوات العراقية على الحدود السورية تتعرض لقصف وهجمات أميركية أو إسرائيلية، كما أن الحدود السورية نفسها تهدد الوضع الأمني العراقي".
وتشكل الحدود بين العراق وسوريا مصدر قلق للمراقبين، خاصة مع انسحاب القوات الأميركية من بعض القواعد في سوريا، مثل التنف والشدادي، ما أوجد فراغاً أمنياً استغلته الفصائل المسلحة لتكثيف عملياتها، وزاد من هشاشة الوضع.
ومع بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير الماضي، دخلت العديد من الفصائل العراقية التي تنضوي تحت ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية" على خط المواجهة، واستهدفت بعشرات العمليات مواقع أميركية داخل البلاد وفي عدة دول خليجية، إضافة إلى الأردن.