11 June - 19 July 2026
00 days
00 hours
00 mins
00 secs

العراق.. "دولة الصناعة" تائهة بين النفط والاستيراد

العراق.. "دولة الصناعة" تائهة بين النفط والاستيراد
2026-07-18T07:34:51+00:00

شفق نيوز- بغداد

يقف الاقتصاد العراقي أمام تحد حاسم يتمثل في قدرته على الانتقال من نموذج قائم على الاستيراد والاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية، إلى اقتصاد إنتاجي يمتلك قاعدة صناعية قادرة على تلبية جزء من الطلب المحلي، وتقليل استنزاف العملة الأجنبية، وخلق فرص عمل جديدة.

ورغم امتلاك العراق موارد طبيعية ضخمة، وسوقاً استهلاكية واسعة، وموقعاً جغرافياً يؤهله ليكون حلقة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا، فإن القطاع الصناعي ما يزال يعاني من آثار عقود من الحروب والعقوبات والإهمال وضعف الاستثمار، بعدما خرجت آلاف المصانع والمعامل من الخدمة وتراجعت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي إلى مستويات محدودة.

ويرى مختصون أن إعادة تشغيل المصانع المتوقفة لا تمثل مجرد ملف اقتصادي، بل مشروعاً لإعادة صياغة نموذج التنمية في البلاد، خصوصاً مع استمرار هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار النفط، حيث تعتمد الموازنة العامة على النفط بنسبة تقارب 90%.

بين النهوض والتعثر

وفي هذا السياق، يقول نائب رئيس اتحاد الصناعيين العراقيين، عقيل الصائغ، إن القطاع الصناعي بدأ يشهد عودة تدريجية لبعض النشاط، مؤكداً أن آلاف المصانع عادت إلى العمل خلال الفترة الماضية، فضلاً عن افتتاح مصانع جديدة.

ويضيف الصائغ لوكالة شفق نيوز، أن حماية المنتج المحلي كانت إحدى الأدوات الأساسية لدعم الصناعة، مبيناً أن العراق فرض إجراءات جمركية على عدد من المنتجات المستوردة التي لها بديل محلي.

ويتابع: "وضعنا حماية على المنتجات العراقية التي تدخل شبيهات منها، وفرضنا رسوماً على الكارتون بنسبة 100%، وعلى الكاربت 65%، كما شمل الدعم العصائر والكيك والأجبان والألبان ومنتجات الاستخدام الواحد والـPVC (البلاستيك الصلب المستخدم في الأنابيب والنوافذ) والحديد وغيرها".

ويشير إلى أن صادرات العراق الصناعية بدأت تشمل مواد إنشائية وحديداً وعلباً معدنية تستخدم في الصناعات الغذائية والمشروبات، إلا أنه ينتقد استمرار بعض السياسات التي يرى أنها أضعفت المنتج المحلي.

ويقول: "ابتعدنا دائماً عن لغة الأرقام لأنها متغيرة، لكن أستطيع القول إننا أعدنا آلاف المصانع للعمل، ووصل عدد المصانع العاملة إلى نحو 37 ألف مصنع، فيما ما زال لدينا قرابة 35 ألف مصنع متوقف".

ويؤكد أن جزءاً كبيراً من هذه المصانع يمتلك القدرة على العودة إلى الإنتاج، لكنه يحتاج إلى دعم حكومي حقيقي وليس إجراءات إعلامية فقط.

ويضيف: "كنا نأمل أن يكون هناك توجه جدي لدعم الاقتصاد العراقي وإعادة هذه المصانع المؤهلة، لكن إدارة الحكومات والوزارات لم تكن جادة بما يكفي، وكان الأمر في كثير من الأحيان مجرد خطاب إعلامي".

فرصة ضائعة

ويرى الصائغ أن العراق يمتلك مقومات صناعية كبيرة لم تستثمر بالشكل الصحيح، خصوصاً في قطاع البتروكيمياويات الذي يمكن أن يوفر المواد الأولية لعشرات الصناعات.

ويقول إن حرق الغاز المصاحب يمثل خسارة اقتصادية كبيرة، لأن هذا الغاز يمكن أن يتحول إلى مصدر لصناعات واسعة.

ويوضح أن "هذا الغاز الذي يحرق اليوم يمكن أن ينتج منه الذهب الحقيقي، من خلال البتروكيمياويات والحبيبات البلاستيكية، وكذلك من النفط يمكن إنتاج مواد تدخل في صناعات المنظفات ومستحضرات التجميل وغيرها".

ويضيف أن غياب هذه الصناعات جعل المصانع العراقية تعتمد على استيراد المواد الأولية من الخارج، ما رفع كلف الإنتاج وأضعف القدرة التنافسية.

ويتابع: "لو توفرت هذه المواد داخل العراق، لكانت الكثير من البضائع تُنتج محلياً، بل ويمكن تصديرها إلى دول أخرى".

استيراد يخدم الإنتاج

من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي، نوار السعدي، أن انتقال العراق من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد إنتاجي أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار اقتصادي.

ويقول السعدي لوكالة شفق نيوز، إن بناء اقتصاد قوي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار الاعتماد على استيراد معظم الاحتياجات الاستهلاكية والصناعية مع بقاء الطاقات الإنتاجية المحلية محدودة.

ويؤكد أن الحل لا يتمثل في إغلاق باب الاستيراد، بل في إعادة تنظيمه ليخدم الصناعة الوطنية.

ويضيف أن "الاستيراد يجب أن يكون موجهاً نحو توفير المواد الأولية والتكنولوجيا والمعدات التي تحتاجها الصناعة العراقية، وليس إغراق الأسواق بمنتجات يمكن تصنيعها محلياً".

ويحدد السعدي خمسة مسارات رئيسية للتحول الاقتصادي أولها، تبني سياسة صناعية وطنية تحدد القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الغذائية والدوائية والبتروكيمياوية ومواد البناء.

وثانيها، حماية المنتج الوطني بطريقة مدروسة من خلال تطبيق المواصفات القياسية ومكافحة الإغراق التجاري دون الإضرار بالمستهلك.

أما المسار الثالث فيتمثل بإصلاح بيئة الأعمال عبر توفير الكهرباء المستقرة، وتسريع الإجراءات، وتطوير القطاع المصرفي.

ويشير إلى أهمية ربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات الصناعة، فضلاً عن إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الاستثمار الإنتاجي بدلاً من هيمنة الإنفاق التشغيلي.

ويؤكد السعدي أن العراق يمتلك مقومات النجاح، لكنه بحاجة إلى رؤية طويلة الأمد تضع الإنتاج والتصدير والقطاع الخاص في مركز عملية التنمية.

إصلاح صناعي

بدوره، يرى الخبير الاقتصادي، أحمد عدنان، أن التحول الصناعي لا يمكن أن يتحقق بقرار واحد، بل يحتاج إلى حزمة إصلاحات متكاملة تبدأ بإعادة هيكلة المصانع الحكومية المتوقفة.

ويقول عدنان لوكالة شفق نيوز، إن أحد الخيارات المطروحة يتمثل بإشراك القطاع الخاص في إدارة هذه المصانع وتحويلها من عبء على الموازنة إلى استثمارات منتجة.

ويضيف أن العراق بحاجة إلى إنشاء مدن صناعية متخصصة مجهزة بالبنى التحتية والطاقة، إلى جانب تطوير صناعات البتروكيمياويات.

ويشير إلى أن البيئة العراقية تمثل فرصة استثمارية كبيرة بسبب اعتماد البلاد على الاستيراد لتغطية نحو 80% من احتياجاتها.

ويقول: "إذا تمكن العراق من إنتاج هذه الاحتياجات داخلياً، فلن يقلل من الاستيراد فقط، بل يمكن أن يتحول إلى مصدر لدول الجوار".

ويؤكد أن إصلاح قطاع الطاقة وتطوير الزراعة يمثلان جزءاً أساسياً من التحول الاقتصادي، إلى جانب توفير بيئة آمنة للمستثمرين عبر قوانين واضحة وحماية رأس المال وإشراك شركات تأمين كبيرة.

ويكمل أن الانفتاح الدولي الأخير على الاستثمار في العراق، ومنها الزيارات الرسمية والاتصالات مع الشركات العالمية، قد يمثل فرصة لإعادة تقديم الاقتصاد العراقي للأسواق الدولية.

ثروات بانتظار الاستثمار

أما الخبير الاقتصادي، مصطفى الفرج، فيرى أن التحول من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد إنتاجي ممكن، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة واستثمار ذكي للموارد الطبيعية.

ويشير الفرج خلال حديثه لوكالة شفق نيوز، إلى أن العراق يمتلك ثروات معدنية غير مستغلة، ومنها رمال السيليكا، التي يمكن أن تكون أساساً لصناعات متعددة.

ويقول إن بناء قاعدة صناعية قوية يتطلب دعم الصناعة المحلية عبر حماية جمركية مدروسة للمنتجات التي لها بديل محلي، وتقديم حوافز ضريبية وقروض ميسرة للمصانع، وإنشاء مناطق صناعية متخصصة مزودة بالطاقة والخدمات، وتطوير شبكات النقل والموانئ واللوجستيات لتقليل كلف الإنتاج والتصدير.

ويؤكد الفرج في الختام أن استغلال الموارد الطبيعية يجب ألا يقتصر على استخراجها، بل تحويلها إلى صناعات ذات قيمة مضافة توفر وظائف وتدعم الصادرات.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon