هواجس كوردية وتساؤلات عمن يملك السلطة في العراق بعد الانسحاب الأميركي

هواجس كوردية وتساؤلات عمن يملك السلطة في العراق بعد الانسحاب الأميركي
2026-10-13T16:31:09+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة 

احتفت بغداد، وأعلنت واشنطن النصر، وابتهجت الفصائل المتحالفة مع إيران، فيما ساد القلق في إقليم كوردستان. هذه المواقف تعكس، بحسب "مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية"، حسابات مختلفة بشأن ما سيؤول إليه العراق في غياب الولايات المتّحدة وانسحاب قواتها في 30 أيلول/ سبتمبر الماضي، والتي أدت في الوقت نفسه دور الحكم بين الأطراف، والهدف للهجمات، والضامن الأمني، فيما يضع الانسحاب حدّاً لأحد أسباب الخلاف المزمنة في العراق، وكشف أيضاً عن معركة أكثر عمقاً حول من يملك السلطة لاستخدام القوة.

وأوضح المعهد الذي يتخذ من الدوحة مقرا له، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز أن الانسحاب الأميركي حسم خلافاً مزمناً حول السيادة العراقية، لكنه وضع خلافاً آخر في الواجهة، وهو أن الدولة تحتكر القوة رسمياً، لكن قدرتها على احتكارها فعلياً تبقى موضع سؤال، مشيراً إلى أن هذا السؤال يواجه إلحاحاً بعد 8 شهور على اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية -الإيرانية، التي زجّت العراق مراراً وخصوصاً إقليم كوردستان، في الصراع الإقليمي.

وأشار التقرير إلى أن كل ذلك يأتي في ظلّ سعي رئيس الوزراء علي الزيدي إلى إخضاع المجموعات المسلحة لسيطرة الدولة بحلول 30 حزيران/ يونيو 2027، وبعد تأجيل الموعد الذي كان مقرّراً في الأصل أن يتزامن مع الانسحاب الأميركي.

ولفت التقرير إلى احتفاء بغداد بالانسحاب بإعلان أربعة أيام عطلة وطنية تحت اسم "أيام السيادة"، لتُؤكد أن قرار الحرب والسلام يعود إلى الدولة، لا إلى الجيوش الأجنبية أو الفصائل، بينما تعهّد الزيدي في نيويورك أن يبقى السلاح بيد المؤسّسات الدستورية، وأن تتحوّل علاقات العراق مع الدول الغربية من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي.

إلا أن التقرير قال إن خطاب السيادة يتجاوز الرمزية، فهو يشكّل أيضاً ركناً أساسياً في استراتيجية الزيدي لمواجهة الفصائل المسلّحة التي لطالما بررت احتفاظها بترساناتها بالوجود الأميركي، مشيراً إلى أنه على غرار ما قاله السفير الأميركي السابق دوغلاس سليمان، بأن رئيس الوزراء يبني حجّته على أن هذه الجماعات لم تعد بحاجة إلى أسلحتها.

وبعدما لفت إلى أن بعض الفصائل مستعدة لقبول هذا المنطق، قال التقرير إن فصائل أخرى لا تزال ترفض هذا المسار. إلا أنه اعتبر أن الانسحاب الأميركي يُضعف الحجّة السياسية الرئيسة للفصائل من دون أن ينهي قدراتها العسكرية أو قدرتها على استخدامها.

وتابع التقرير أن الولايات المتّحدة والفصائل المتحالفة مع إيران قدمت ضمانات للزيدي بالامتناع عن مهاجمة بعضها بعضاً لمدة 90 يوماً بعد الانسحاب، بهدف منع تدهور الوضع في المدى القريب، مضيفاً أن هذا الواقع يمنح بعضاً من الوقت، لكنه لا يحلّ المشكلة.

ورأى التقرير أن إقليم كوردستان يضع اختباراً آخر لسيادة بغداد، موضحاً أنه إذا كان إصرار الحكومة الاتحادية على أن الأمن واستخدام القوّة من اختصاص الدولة حصراً، فإنه ينبغي لها أيضاً أن تثبت قدرتها على حماية الأراضي والسكّان الخاضعين لسلطتها.

ولفت إلى أن هذا ما يشكّك فيه الكورد، إلى جانب السنّة وأحزاب سياسية شيعية أخرى غير مرتبطة بإيران.

وتابع قائلاً إن تداعيات انسحاب قوات التحالف لم تظهر في أي منطقة عراقية بالسرعة التي ظهرت بها في إقليم كوردستان، الذي تعرض منذ أواخر شباط/ فبراير الماضي، لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، واعترضت منظومات "باتريوت" و"سي-رام" الأميركية المتمركزة في أربيل عدداً كبيراً منها، لكن هذه المنظومات لم تعد موجودة الآن.

ولفت التقرير إلى أنه بحكم هيكل الدولة، لا تستطيع أربيل إدارة دفاعاتها الجوّية بمفردها، لأن المجال الجوي العراقي من اختصاص الحكومة الاتحادية، مضيفاً أنه في الوقت نفسه، اختفت الشراكة مع الولايات المتّحدة التي شكّلت وقتاً طويلاً ضمانة في مواجهة بغداد، وانتهى أيضاً الدعم المالي الذي كان التحالف يقدّمه لقوات البيشمركة.

ورأى التقرير أن ذلك يضع أربيل في موقع صعب، موضحاً أن الانسحاب الأميركي قد يعزّز سلطة الحكومة المركزية، لكنه يزيد في الوقت نفسه اعتماد حكومة الإقليم على الدولة العراقية في أمنها.

وأشار إلى أن أربيل ردت باستكمال دمج القوّات المتنافسة التابعة للحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وبالضغط على بغداد لمعالجة شكاوى قديمة، من رواتب البيشمركة التي تقل عن نصف رواتب الجيش العراقي، إلى التأخّر في شراء منظومات الدفاع الجوّي.

وبحسب التقرير فإن الإقليم بات اليوم أكثر عرضة للمخاطر من أي وقت منذ عام 2014، وأكثر ارتباطاً ببغداد من أي وقت منذ العام 2003.

وتابع أن طريقة تعامل بغداد مع هذا الوضع تعتبر مهمّة للغاية، لأن الحكومة الاتحادية تملك الآن نفوذاً أكبر على موازنات الإقليم ورواتبه ودفاعه الجوّي، وفي حال استخدمت هذا النفوذ لتعميق الاندماج الاتحادي، فقد تعزّز ادعاءات الدولة بالسيادة، أما إذا استخدمته أداةً للإكراه، فقد تعيد إحياء المظالم التي انتهت عام 2017 إلى مواجهة حول استفتاء استقلال الإقليم.

وبحسب التقرير فإنه على الرغم من انسحاب القوات العسكرية الأميركية، فإن نفوذ واشنطن لم يتبدّد لأنها لا تزال تملك أدوات ضغط كبيرة على بغداد بسبب سيطرتها على عائدات النفط، مذكراً بأنه عندما طلبت بغداد من القوّات الأميركية مغادرة البلاد في العام 2020، أفادت تقارير بأن واشنطن هدّدت بقطع وصول العراق إلى هذه الأموال، فتراجعت بغداد.

وبين أن واشنطن أوقفت شحنات الدولار للضغط على بغداد بشأن الجماعات المتحالفة مع إيران، وشمل ذلك شحنة بنحو 500 مليون دولار من الأوراق النقدية كانت على متن طائرة، ومنعت وزارة الخزانة الأميركية وصولها، لكن الشحنات استؤنفت في حزيران/ يونيو الماضي، وأشارت واشنطن إلى أنها لا تزال قادرة على فرض عقوبات بسبب الفصائل الموالية لإيران.

وتابع التقرير أن الانسحاب لا يعني تلقائياً نشوء فراغ تملؤه إيران، خصوصاً أن طهران نفسها لا تزال تحت ضغط الحرب والعقوبات، إلا أنه يزيل أحد القيود الرئيسة التي تشكّل في ظلها التوازن السياسي العراقي بعد العام 2003.

وأضاف أن العراق يظل شديد التأثر بالضغوط الخارجية الناجمة عن الصراع الدائر خارج حدوده.

وأوضح أن "هذا يجعل ترجمة ادعاء بغداد بامتلاك السيادة الكاملة إلى سيطرة فعلية أمراً بالغ الصعوبة".

ولفت إلى أن الخيارات القسرية المتاحة للحكومة محدودة في مواجهة أقوى المجموعات المسلّحة المتحالفة مع إيران، مضيفاً أن دفع الزيدي إلى مواجهة مباشرة مع هذه الفصائل يهدّد بجرّ الحكومة إلى معركة يُرجح ألا تتمكّن من كسبها.

كما لفت التقرير إلى افتقار العراق إلى قدرات دفاع جوّي فاعلة، وإلى أن الحكومة لا تزال بلا وزير دفاع، بينما تضيق الأزمة المالية هامش تحرّكها أيضاً بما في ذلك محدودية الموارد التي تتيح لها استيعاب المقاتلين ضمن جداول رواتب الدولة.

وقال التقرير إن "هذا ما يفسّر تفضيل الحكومة تبني إستراتيجية سياسية متدرّجة تتألف من تأجيل مهلة نزع السلاح، وتأمين هدنة مؤقّتة، والتفاوض مع الفصائل المستعدّة للاندماج، واستخدام الانسحاب لإضعاف شرعية المجموعات التي ترفض ذلك".

ورجح أن الحكومة لا تملك خياراً عملياً آخر، لكن هذا المسار يحتاج إلى وقت، مضيفاً أن كلّ ضربة تقع على الأراضي العراقية تعزّز الحجّة نفسها التي تحاول بغداد تفكيكها، وهي أن الفصائل المسلّحة المستقلّة لا تزال ضرورية لأن الدولة عاجزة عن الدفاع عن البلاد.

وتابع التقرير أن الانسحاب الأميركي يترك سؤالاً مهماً من دون حسم وهو من يملك داخل العراق سلطة استخدام القوة؟ إذ بينما تقول بغداد إن هذه السلطة حكر على الدولة، فإن الفصائل الرافضة لنزع السلاح تسعى إلى الاحتفاظ بحصتها منها، بينما الكورد يريدون دليلاً على أن السيادة الاتحادية ستحميهم من أي تهديد أمني قد يأتي من إيران وفصائلها في العراق بعد الانسحاب الأميركي.

وفي المقابل، قال التقرير إن إيران والولايات المتّحدة تتوقعان أن يكون لكلّ منهما دور في تشكيل النتيجة من دون تحمّل كلفة وجود عسكري دائم.

وختم التقرير قائلاً إن "الاختبار الحقيقي" يتعلق بما إذا فشلت الدولة في إخضاع السلاح لسيطرتها بحلول حزيران/ يونيو 2027، حيث لن يعود في إمكانها إلقاء اللوم على الاحتلال العسكري الأجنبي، بينما إذا نجحت، فسيحدّد العراقيون أنفسهم، للمرّة الأولى منذ العام 2003، معنى السيادة العراقية.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon