هل أجهضت الغارات السعودية رؤية الزيدي لعراق بعيد عن الصراعات؟

هل أجهضت الغارات السعودية رؤية الزيدي لعراق بعيد عن الصراعات؟ آثار القصف الأميركي - السعودي على مقر للحشد الشعبي
2026-08-02T09:42:25+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

ما تزال الغارات التي شاركت السعودية في شنها على مواقع داخل العراق، وهي الأولى التي تعلن فيها الرياض مشاركتها العسكرية المباشرة، تثير تساؤلات بشأن انعكاساتها على المشهد السياسي في بغداد، وسياسات رئيس الوزراء علي الزيدي، ورؤيته لمستقبل العراق، فضلاً عن تأثيرها في علاقاته مع واشنطن ودول الخليج.

وقالت قناة "فرانس 24" الفرنسية، في تقرير لها، ترجمته وكالة شفق نيوز، إن انضمام السعودية إلى الولايات المتحدة في شن ضربات داخل العراق يمثل تحولاً كبيراً في الموقف الإقليمي للمملكة بعد أشهر من ضبط النفس.

وأضافت القناة الفرنسية، أنه في الوقت الذي تؤكد فيه الرياض أنها "تتصرف دفاعاً عن النفس"، فإن العملية تثير تساؤلات حول ما إذا كانت السعودية تتخلى عن نهجها الحذر تجاه طهران، أم أنها تكتفي بتوجيه رسالة تحذيرية، لكنها تمثل في جميع الأحوال أول تدخل عسكري مباشر للرياض إلى جانب واشنطن منذ اندلاع الحرب الإيرانية الأخيرة.

ونقل التقرير عن الأكاديمي المتخصص في شؤون الإسلام العالمي بجامعة بريستول، توبي ماثيسن، قوله إنه "تحول كبير جداً، ويبدو أن السعوديين يشاركون عسكرياً بشكل أكثر علانية بعد بضعة أشهر من ضبط النفس الشديد".

وقال الباحث في العلاقات الدولية بجامعة لانكستر، خافيير بوردون، إن السعودية تسعى إلى ترسيخ صورتها بوصفها دولة معتدلة، وهو ما يظهر في الطريقة التي تحاول بها إدارة الصراع المستمر والتوتر المتواصل في المنطقة، مضيفاً أن المملكة لا تسعى إلى "مواصلة التصعيد، وإنما إلى ردع العدوان".

وأكد أن التحول جاء نتيجة التأثير التراكمي للهجمات المتكررة والمخاطر الاقتصادية المتزايدة، مبيناً أنه إذا امتد الضغط الحوثي إلى مضيق باب المندب، فإن السعودية ستواجه بيئة اقتصادية أكثر تعقيداً، مع تهديد طريقي التصدير البحري الرئيسيين.

وإلى جانب ذلك، أوضحت "فرانس 24"، أن الخبراء يرون أن نهج الرياض الحذر يعكس أيضاً استراتيجية دبلوماسية أوسع، مذكّرة بأن السعودية سعت خلال السنوات القليلة الماضية إلى إعادة بناء علاقاتها مع منافستها الإقليمية إيران، انطلاقاً من قناعة بأن التعايش طويل الأمد أفضل من المواجهة الدائمة، رغم أن هذا التقارب لم يضع حداً لتنافسهما.

في حين، أشار المتخصص في العلاقات السعودية - الإيرانية، كنزي ديسوكي، إلى أن "البلدين واجها تاريخياً هذا التوتر عبر حرب بالوكالة واسعة النطاق، شملت دولاً متعددة وجماعات مسلحة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط".

وفي هذا الإطار، قال التقرير إن قادة السعودية توصلوا إلى استنتاج مفاده أن طهران بحاجة إلى تحذير أكثر وضوحاً، وإن العراق، وفقاً لخبراء، يمثل أهمية عسكرية وسياسية في آن واحد، بخلاف اليمن.

وبعد الإشارة إلى أن السياسة الداخلية في العراق لعبت دوراً فيما يجري، ولا سيما في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة، تابع بوردون قائلاً: "أعتقد أن الولايات المتحدة والسعودية تنسجمان مع هذه الرؤية عندما يتعلق الأمر بإعادة تأكيد، أو تعزيز، احتكار الدولة للسلاح في مواجهة الميليشيات"، مضيفاً أن الضربات تمثل "وسيلة للإشارة إلى دعمهما لهذه الرؤية".

أما ديسوكي، فبعد الإشارة إلى أن الرياض تجنبت استهداف الأراضي الإيرانية مباشرة، فقال إنه ينبغي النظر إلى العملية بوصفها رداً دفاعياً على هجمات الميليشيات المدعومة من إيران، وليس هجوماً على إيران نفسها، موضحاً أنه ما دامت السعودية تمتنع عن استهداف إيران أو الانحياز رسمياً إلى الحملة العسكرية الأمريكية، فإن ديناميات الصراع الأوسع لا تزال دون تغيير كبير، مؤكداً أنها "إشارة إلى القوة أكثر من كونها التزاماً صريحاً بالحرب"، على حد قوله.

ورأت "فرانس 24" أن حسابات السعودية تقوم على أن هذا الاستعراض المحدود للقوة قد يساعد في منع اتساع رقعة الحرب، موضحة أن الرياض تراهن، من خلال إظهار أن الهجمات على أراضيها باتت تترتب عليها كلفة عسكرية مباشرة، على ردع إيران وحلفائها الإقليميين عن تنفيذ المزيد من الضربات ضد المملكة.

ولهذا، خلص التقرير، إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المخاطر المحسوبة ستؤتي ثمارها أم لا، مشيراً إلى أن محللين يحذرون من أن الانضمام إلى الضربات الأمريكية ينطوي على خطر جرّ السعودية إلى عمق المواجهة الإقليمية مع استمرار اتساع الحرب.

من جهته، قال موقع "أمواج" البريطاني إن العواقب الأعمق للهجوم السعودي قد لا تقع على السعودية أو إيران، وإنما على مشروع بغداد المتواصل لانتشال نفسها من الحروب بالوكالة في المنطقة.

ووفقاً للموقع البريطاني، فإن عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، في غارة أميركية داخل العراق قبل ست سنوات، حولت البلاد إلى الجبهة الرئيسية للمواجهة بين إيران والولايات المتحدة، لافتاً إلى أنه رغم استمرار التوترات خلال السنوات اللاحقة، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة سعت إلى إبعاد العراق عن التحول إلى ساحة معركة مباشرة للصراع الإقليمي.

ولفت التقرير، إلى أن هذه الجهود أسهمت في إعادة بناء علاقات العراق مع السعودية ودول عربية أخرى، وسمحت لبغداد بتقديم نفسها ساحةً للدبلوماسية الإقليمية بدلاً من أن تكون ميداناً للصراعات بالوكالة، إلا أن الضربات السعودية - الأميركية الأخيرة تهدد بعكس هذا المسار، وإعادة العراق إلى ساحة لتصفية النزاعات بين القوى الإقليمية المتنافسة.

ونقل "أمواج" عن مدير الإعلام في الحشد الشعبي، مهند العقابي، قوله إن الهجمات السعودية تمثل "سوء تقدير سياسي"، متهماً الرياض بمواجهة إيران واليمن على الأراضي العراقية، ومؤكداً مجدداً أن الحشد الشعبي لم يكن له أي دور في الهجمات على المنشآت النفطية السعودية.

كما نفى السفير الإيراني السابق لدى بغداد، حسن كاظمي قمي، الادعاءات التي تتهم جماعات عراقية بالمسؤولية عن الهجمات على السعودية، واصفاً تلك الهجمات بأنها "مشبوهة"، ومشيراً إلى احتمال تورط خلايا أوكرانية نائمة في تنفيذها.

وبين التقرير، أنه بغض النظر عن مدى مصداقية هذه الروايات، فإنها تكشف مدى سرعة تحول العراق إلى مسرح تتنافس فيه القوى الخارجية على النفوذ والشرعية.

ولم يستبعد الموقع البريطاني، أن تؤثر هذه الأحداث في مصير الوجود العسكري الأميركي، موضحاً أنه ما دام العراق ساحة للصراع الإقليمي، فقد لا تستجيب الولايات المتحدة لطلب بغداد الانسحاب الكامل، وأن الضربات السعودية قد تعقد هذا التوازن بصورة أكبر.

وبعد الإشارة إلى إلغاء زيارة الزيدي إلى الرياض، لم يستبعد التقرير أن يهدد هذا التراجع الرمزي بإبطاء الاستثمارات الخليجية وتقويض الثقة السياسية التي عملت بغداد على إعادة بنائها مع جيرانها العرب، مبيناً أن الاختبار الذي يواجه الزيدي يتجاوز إدارة أزمة أمنية واحدة، إذ إن رؤيته الأوسع للعراق بوصفه وجهة مستقرة للاستثمار الأجنبي وشريكاً موثوقاً لكل من واشنطن ودول الخليج، تعتمد على الاستقرار الإقليمي، وعلى إحراز تقدم حقيقي في دمج الفصائل المسلحة ضمن مؤسسات الدولة.

وختم التقرير بالقول إن نتائج هذه التطورات هي التي ستحدد ما إذا كان العراق سيحافظ على دوره جسراً بين القوى الإقليمية المتنافسة، أم سيعود مرة أخرى إلى خط مواجهة متقدم في صراعاتها.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon