هل تكفي مصافحات الزيدي وترمب؟.. قراءة أميركية في سيناريوهات "فك الارتباط" بين العراق وإيران
شفق نيوز- ترجمة خاصة
تتفاوت قراءات وتوقعات المحللين والخبراء من مشهد المصافحات في البيت الأبيض بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث لا تزال هناك أسئلة صعبة، رغم تصوير اللقاء كبداية لعلاقة مختلفة تتركز على النفط والاستثمار والاندماج الاقتصادي، إلا أنه لا إجابات حول ما إذا كان بمقدور بغداد توسيع علاقاتها مع واشنطن دون زعزعة علاقتها الأساسية مع طهران، وما إذا كانت ستنجح فكرة ممرات الطاقة الجديدة عبر العراق وسوريا إلى البحر الأبيض المتوسط كجزء من هيكل إقليمي أوسع للحد من الاعتماد على مضيق هرمز.
وذكر موقع "ميديا لاين" الإخباري الأميركي، في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن ترمب كثف الضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، لبدء إعادة نشر القوات الإسرائيلية من سوريا والمضي قدما في الانسحابات من لبنان، مع الاشارة الى ان الرئيس السوري احمد الشرع قد يلعب دورا في مواجهة حزب الله اللبناني.
وأضاف أن هذه الخطوات قد تعكس معاً مسعى أميركا لنقل المسؤولية الأكبر نحو الحكومات المركزية في بغداد ودمشق وبيروت، مع الحد من التدخل العسكري الأميركي المباشر، وربما تقليص التدخل الإقليمي لإسرائيل خارج حدودها، إلا أن الموقع الأميركي لفت إلى أنه ليس محسوما أن هذه الحكومات قادرة على ممارسة هذه السلطة.
نفوذ الجماعات المسلحة
ونقل التقرير عن مراسلة الشرق الأوسط لورا سيلفيا باتاغليا، قولها إن هناك حافز استراتيجي للزيدي لكي يقترب من واشنطن، رغم تحذيرها من أن ميزان القوى الداخلي سيقيده، موضحة أنه لو كان الأمر بيد الزيدي، لكانت بغداد قد قررت بالفعل رسم مستقبلها مع الولايات المتحدة بدلا من إيران وذلك "لأن الاقتراب من الولايات المتحدة يعني المزيد من الأمن والاستثمار، وإعادة اندماج البلاد في النظام المالي العالمي، والبنية التحتية، وتجديد الدور الاستراتيجي كممر بين الخليج والبحر الأبيض المتوسط".
وبحسب باتاغليا فإن الصعوبة تبدأ عندما تواجه تلك الطموحات في السياسة الخارجية، النظام السياسي الداخلي في العراق، حيث تتمتع الجماعات المسلحة المدعومة من إيران وحلفاؤها السياسيون، بنفوذ ضخم على اتخاذ القرار الأمني والحكومي.
ونقل التقرير عن باتاغليا قولها إن الزيدي "بمجرد عودته إلى الوطن، لن تكون حياته سهلة، حيث تضغط الميليشيات لكي تحافظ على دورها وضمان استمرار دائرة النفوذ الإيراني"، وهي من المرجح أن تقاوم أي محاولة من الزيدي للحد من نفوذها السياسي، أو إخضاع أسلحتها لسيطرة الحكومة، أو إضعاف العلاقات الاستراتيجية للعراق مع طهران.
لكن المحلل المستقل المتخصص بالشؤون السياسية والأمنية في الشرق الأوسط الدكتور طلحة عبد الرزاق، أعرب عن معارضته لفكرة أن وصول الزيدي إلى واشنطن يجب أن يفسر بحد ذاته كدليل على اعادة تموضع استراتيجي عراقي له معنى، موضحا أن وعودا مشابهة من جانب سياسيين سبق لها أن فشلت مرارا، مذكرا بأن صعود الزيدي جاء بفضل الإطار التنسيقي.
وتابع قائلا إن الفرضية الأساسية التي تعتبر أن بغداد تحاول التخلص من النفوذ الإيراني، هو نفسه محل شك، موضحا أن كل من يشغل السلطة السياسية في العراق حاليا لديه بالغالب صلات بإيران، معتبرا أنهم "مشاركون وراغبون"، وأن تصويرهم كما لو أنهم تحت النفوذ الإيراني قسرا، يظهر مدى ضعف الفهم والتحليل للعراق لما يقرب من ربع قرن منذ "الغزو" في العام 2003.
الاختبار الحقيقي
أما مؤسس شركة "كيو آدفايسوري" الاستشارية جون كينغ، فقد طرح تقييما أكثر وسطية، قائلا إنه بدلا من تفسير اللحظة كخطوة حاسمة عراقية بالانتقال من معسكر إلى آخر، فإن هناك إمكانية تنويع تدريجي لعلاقات بغداد.
ونقل التقرير عن كينغ قوله إن اجتماع ترمب والزيدي مهم، إلا أنه لا ينبغي تفسيره على أنه تغيير فجائي للعراق في موقفه، وإنما محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق فيما يتعلق بالاستثمار والطاقة والتجارة وسيادة الدولة العراقية مع تقليص الوجود العسكري الأميركي".
واضاف أن "واشنطن ترى الزيدي بوضوح كشريك محتمل للحد من النفوذ الإيراني، لكن الاختبار الحقيقي سيكون ما إذا كانت الاتفاقات التي تم التوصل إليها في واشنطن ستؤدي إلى تغييرات ملموسة داخل العراق".
ونقل التقرير عن كينغ توضحيه أن بإمكان بغداد إعادة توازن علاقاتها، لكنها لا تستطيع فعليا أن تفصل نفسها تماما عن طهران، مضيفا أن أي استراتيجية عراقية ناجحة ستعتمد على التنويع بدلا من المواجهة، وذلك من خلال توسيع العلاقات مع الولايات المتحدة وتركيا وأوروبا ودول الخليج مع الحفاظ على علاقة وظيفية مع إيران، لأن "محاولة إجبار العراق على الانحياز الحاد لمعاداة إيران بالكامل قد تزعزع استقرار البلاد وتضعف الزيدي".
خطوط الأنابيب
وذكر التقرير أن الاضطرابات الأخيرة في مضيق هرمز ومحيطه، كشفت مجدداً عن ضعف الدول التي تعتمد صادراتها من الطاقة بشكل كبير على الممر المائي، مشيراً إلى أنه بينما تمتلك السعودية والإمارات بالفعل طرقا تسمح لجزء من صادراتهما بتجاوز المضيق، إلا أن العراق، فلا يزال يعتمد بشكل كبير على منافذ التصدير الجنوبية ويدرس طرق تصدير إضافية، بما في ذلك إحياء خط أنابيب كركوك - بانياس، والمسار الجديد من جنوب العراق عبر حديثة، الذي يمكن أن يتفرع نحو سوريا أو تركيا أو الأردن.
وفي حين نقل التقرير عن باتاغليا قولها إن بإمكان خطوط أنابيب النفط وإمكانية إحياء سكة حديد الحجاز، أن تساعد العراق على التموضع ليس فقط كمنتج نفط، بل كجسر جغرافي يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط، بشرط أن تسمح الظروف السياسية والأمنية بذلك.
إلا أن كينغ من جهته، أكد على الإمكانات الاستراتيجية التي مثلها مفهوم خطوط الأنابيب بالنسبة للعراق، ومع ذلك يحذر من المبالغة في مدى سرعة تحويل هذه البنية التحتية لتدفقات الطاقة الإقليمية، مضيفا أن العراق بمقدوره توفير طرق طاقة إلى البحر الأبيض المتوسط لا تعتمد على المضيق، لكنه لفت إلى أن خطوط الأنابيب عبر سوريا ستتطلب استثمارات كبيرة، وأمانا ماديا، واتفاقيات سياسية، وبنية تحتية موثوقة، ولكن لا يمكنها تعويض قدرة العراق التصديرية الجنوبية بين عشية وضحاها.
وحذر كينغ كما قال التقرير، من أن تقديم البنية التحتية بشكل صريح جدا كمشروع معاد لإيران قد يهدد جدواها، موضحا أنه إذا تم تصويره أساسا كسلاح أميركي ضد طهران، فقد تستهدفه الجماعات المسلحة، وقد يختفي الدعم السياسي العراقي بسرعة.
ومن جهته، قال التقرير إن عبد الرزاق كان أكثر تشككا في وصف العراق كممر طاقة إقليمي بديل، موضحا أن العراق بمقدوره فقط شحن نفطه إلى سوريا وتركيا ولا يؤثر على طرق الشحن النفطي الدولية.
وأوضح أن سبب في ذلك هو أن الوصول العراقي الوحيد إلى البحر يعتمد على هرمز نفسه، وثانيا أنه لكي تبدأ دول مثل السعودية في ضخ الطاقة عبر الأراضي العراقية وما بعدها، يجب أن تثق بأن العراق لم يعد تحت سيطرة إيران، مشيرا إلى أن النفوذ الإيراني متجذر بعمق في العراق بحيث لا يمكن للدول المجاورة تجاهله، بغض النظر عن التصريحات العلنية لبغداد.
وبحسب التقرير، فإن النهج الأميركي الناشئ أصبح أيضا أكثر وضوحا إلى الغرب من العراق، في إشارة إلى سوريا ولبنان، مذكرا بمطالبة ترمب نتنياهو بالانسحاب من البلدين لأن وجوده هناك قد يولد تصعيدا إضافيا.
وبينما نقل التقرير عن باتاغليا قولها إنه حتى لو حدث انسحاب رسمي، سيجد الجيش الإسرائيلي طرقا أخرى للعودة إلى المشهد في تلك المناطق الحدودية على المدى المتوسط، فإن كينغ رأى أن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان يجب أن يبقى الهدف، لكنه لا يمكن فصله عن مسألة من يسيطر على الأراضي والأسلحة بعد مغادرة القوات الإسرائيلية.
وقال التقرير إنه بينما تستعد القوات الأميركية المتبقية لمغادرة العراق، فإن واشنطن تروج للاستثمار الأميركي في الطاقة العراقية، وتستكشف طرق البنية التحتية عبر سوريا، وتدفع نحو سيطرة اقوى على الجماعات المسلحة، وتضغط على إسرائيل للحد من وجودها داخل الدول المجاورة، مضيفا أن النموذج المحتمل سيعتمد أقل على الانتشار الأميركي الدائم ويعتمد أكثر على ترابط الاقتصادات، وممرات الطاقة، والحكومات المحلية القادرة على التحكم في الحدود والأسلحة.
بدائل بغداد
ومع ذلك، نقل التقرير عن كينغ قوله إن مثل هذا التحول قد يكون قد بدأ بالفعل، إلا أنه يحذر من أن التكامل الاقتصادي لا يمكن أن يحل محل القوة الامنية بالكامل.
وتابع قائلاً إن "الانخراط الاقتصادي لا يمكن أن يحل محل الردع بالكامل، وستبقى واشنطن بحاجة إلى شراكات أمنية محدودة والقدرة على الاستجابة عندما تهدد المنظمات الإرهابية أو الجماعات المسلحة الاستقرار الإقليمي".
أما عبدالرزاق فقد حذر من استمرار واشنطن في التقليل من عمق المشاكل الهيكلية في العراق، معربا عن تشكيكه أيضا في أن اجتماع البيت الأبيض وحده يمكن أن يغير المعادلة الاقليمية. وتابع قائلا إن بعض المصافحات مع رجال مثل الزيدي لن تحقق ذلك، بل ستؤجل المشكلة.
وقال التقرير ان مشاريع خطوط الأنابيب، والاستثمار الأميركي، والاهتمام الدبلوماسي المتجدد يمكن أن تقدم لبغداد بدائل لم تكن موجودة من قبل، إلا أن البنية التحتية وحدها لا يمكنها إعادة تعريف النظام الإقليمي، مضيفا أن الأمر نفسه ينطبق على انسحاب إسرائيل من لبنان أو سوريا.
وتابع التقرير أنه بالنسبة للعراق، السؤال هو ما إذا كان بإمكان الزيدي وضع السلاح تحت سلطة الدولة من دون زعزعة استقرار التحالف السياسي الذي أوصله إلى السلطة، وبالنسبة للبنان، فإن الأمر يتعلق بما إذا كانت الدولة قادرة على توسيع سلطتها مع انسحاب إسرائيل ومواجهة استمرار وجود حزب الله المسلح، في حين أنه بالنسبة لسوريا، فإن الأمر يتعلق بما إذا كان بمقدور الشرع أن يصبح فاعلا إقليميا مستقرا دون أن يتورط في صراع داخلي لدولة أخرى.
وختم التقرير قائلا إنه يبدو أن الولايات المتحدة تراهن على أن الممرات الاقتصادية والدول الأقوى يمكن أن تحل تدريجيا محل بعض الآليات العسكرية التي شكلت المنطقة لعقود.