نيجيرفان بارزاني "عراب المناورة" بكوردستان.. حوار مع الخصوم وتوازن مع الحلفاء
شفق نيوز- ترجمة خاصة
تمثل الدبلوماسية أداة أساسية أمام إقليم كوردستان للحفاظ على هامش المناورة السياسية بين القوى الإقليمية والحكومة الاتحادية في بغداد، في وقت يعتمد رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، نهجاً يجمع بين الانخراط العملي مع دول الجوار، والتعاون الأمني مع الغرب، والحوار لتخفيف التوترات.
وبحسب تقرير لموقع "إي يو ريبورتر" الأوروبي، ومقره بروكسل، ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن نجاح هذه الدبلوماسية لا يُقاس بعدد اللقاءات والاتصالات، بل بقدرتها على تحسين الأمن وتعزيز المؤسسات ودفع عجلة التنمية.
لا صراع
يقول كاتب التقرير ويدعى هالو حسن سعيد، وهو صحفي كوردي عراقي، إن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تمثل معضلة لإقليم كوردستان، الذي يحتفظ بعلاقات مهمة مع واشنطن، ويتشارك في الوقت نفسه حدوداً طويلة مع إيران، إلى جانب روابط اقتصادية وسياسية واسعة معها.
ووفق التقرير، فإن أي تصعيد بين الطرفين قد ينعكس على الأمن والتجارة والاستثمار والاستقرار السياسي في الإقليم، ما يجعل الأولوية أمام أربيل تجنب التحول إلى ساحة لصراع لا تملك القدرة على التحكم بمساره.
وذكّر التقرير، باتصال هاتفي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 4 آذار/ مارس 2026، حين شدد نيجيرفان بارزاني على ضرورة عدم استخدام الإقليم لتهديد الدول المجاورة، وأكد دعمه الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التوترات. كما تناول اتصال آخر في 23 أيار/ مايو قضايا التجارة والتنسيق الحدودي والتطورات الإقليمية.
ويصف الكاتب هذا النهج بأنه ضبط استراتيجي للنفس، وليس حياداً سلبياً، إذ تسعى أربيل إلى الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن من دون استفزاز طهران، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الجانب الإيراني.
لكن التقرير حذر من أن ضبط النفس وحده لا يضمن الأمن، مؤكداً أهمية إدارة الحدود بفاعلية، والتنسيق مع بغداد، وحماية المدنيين.
وأضاف أن قدرة بارزاني على التواصل مع أطراف متباينة سياسياً تمنح أربيل أهمية دبلوماسية، رغم محدودية قدرتها على التأثير في قرارات القوى الكبرى، داعياً أوروبا إلى النظر إلى استقرار الإقليم بوصفه جزءاً من الجهود الأوسع لمنع انتقال التوترات الإقليمية إلى داخل العراق.
فرصة سلام
تمثل تركيا شريكاً مهماً لأربيل، إلا أن العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكوردستاني داخل أراضي الإقليم أثرت في مناطق عدة، وعرّضت المدنيين للخطر، فضلاً عن تعقيد إدارة تلك المناطق.
ويرى التقرير أن التوصل إلى مسار موثوق لإنهاء الصراع بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني قد يسهم في تقليل العنف والنزوح، مشيراً إلى دعم بارزاني للحوار وإمكانية مساهمة أربيل في تسهيل الاتصالات، مع بقاء القرارات الحاسمة بيد الأطراف المعنية.
ويشير الكاتب إلى أن التقارير التي تحدثت عن مغادرة مقاتلين من حزب العمال الكوردستاني مواقع في شمال العراق خلال تشرين الأول/ أكتوبر 2026 قد تفتح نافذة أمام التقدم، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الصراع.
ويتطلب السلام المستدام وفق التقرير، التزامات موثوقة وآليات تنفيذ واضحة ومشاركة سياسية وضمانات تمنع تجدد العنف.
وفي هذا السياق، يمكن للحكومات الأوروبية تشجيع المسار السلمي ودعم حماية المدنيين وتعزيز حقوق الإنسان، مع معالجة الظروف السياسية التي قد تؤدي إلى عودة المواجهات.
تسوية تحفظ الحقوق
يربط التقرير مستقبل الكورد في سوريا بالدبلوماسية الإقليمية لأربيل، إذ تؤثر التطورات في شمال شرقي سوريا في الحقوق الكوردية، ومكافحة تنظيم داعش، والعلاقات بين تركيا والولايات المتحدة ودمشق.
وعقب اتفاق 30 كانون الثاني/ يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، رحب بارزاني بوقف إطلاق النار ومقترح دمج المؤسسات العسكرية والإدارية، مشدداً على ضرورة حماية الحقوق المدنية والتعليمية للكورد، وتمكين النازحين من العودة، وضمان حقوق جميع المكونات في الإطار الدستوري السوري المستقبلي.
وفي 16 حزيران/ يونيو 2026، التقى بارزاني المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص توم باراك وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، لبحث تطورات سوريا وحقوق المكونات.
ويؤكد التقرير أن تنفيذ الاتفاق هو العامل الحاسم في استمراره، في ظل ملفات لا تزال تتطلب معالجة، تشمل الإدارة المحلية والأمن والتمثيل السياسي وحقوق اللغة وتوزيع الصلاحيات.
ورغم قدرة أربيل على تشجيع الحوار، فإنها لا تستطيع أن تحل محل الأطراف السورية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد.
وبالنسبة إلى أوروبا، فإن التسوية السورية ستؤثر في ملف النزوح وإعادة الإعمار وأمن الحدود ومرافق احتجاز عناصر تنظيم داعش. ويدعو الكاتب الأوروبيين إلى دعم وحدة الأراضي السورية، مع التأكيد أن الحفاظ على وحدة البلاد لا ينبغي أن يكون مبرراً للإقصاء السياسي، وأن حقوق الكورد والمكونات الأخرى يجب أن تكون مصانة.
تحديات داخلية
يحدد التقرير ثلاثة عناصر تمنح إقليم كوردستان أهمية استراتيجية بالنسبة إلى أوروبا: دوره في منع عودة تنظيم داعش، وعلاقاته مع أطراف متنافسة بما يجعله قناة تواصل مفيدة، وإمكانات التعاون الاقتصادي إذا أصبحت الإدارة المالية وقطاع الطاقة والمؤسسات أكثر استقراراً وشفافية.
وفي هذا السياق، حث التقرير الدول الأوروبية إلى الجمع بين التعاون الأمني ودعم الحوكمة الشفافة وتنويع الاقتصاد وتعزيز المؤسسات الخاضعة للمساءلة، بالتوازي مع تشجيع العلاقات البناءة بين أربيل وبغداد.
لكن الخلافات بشأن التحويلات المالية ورواتب الموظفين وإدارة النفط والغاز وتقاسم الإيرادات والصلاحيات الدستورية تضعف الاستقرار المالي والخدمات العامة وثقة المستثمرين.
ويمكن لأوروبا دعم الحوار والتعاون الفني، إلا أن التقدم يبقى مرهوناً بالتنفيذ من جانب بغداد وأربيل، كما أن الانقسامات السياسية الكوردية تحد من القدرة على تحويل العلاقات الدولية إلى نتائج ملموسة.
نتائج الدبلوماسية
يشير التقرير إلى أن مشاركة نيجيرفان بارزاني، في مؤتمر ميونخ للأمن في شباط/ فبراير 2026 أبقت الإقليم حاضراً في النقاشات الدولية، لكنه يشدد على أن هذا الحضور يمثل وسيلة وليس غاية بحد ذاته.
ويتمثل النجاح، وفق التقرير، في تحقيق أمن أكثر استقراراً، ومؤسسات أقوى، وتعاون اقتصادي أوسع، ومتابعة مستمرة للقضايا السياسية العالقة.
كما دعا التقرير، أوروبا إلى التعامل مع أربيل كشريك طويل الأمد في الاستقرار الإقليمي، من خلال دعم الحوار بين الإقليم وبغداد، وحماية المدنيين، وتشجيع التسوية السلمية بين تركيا وحزب العمال الكوردستاني، والعمل من أجل اتفاق سوري شامل يحفظ الحقوق السياسية وحقوق المكونات.
ويخلص الكاتب إلى أن دبلوماسية بارزاني تسعى إلى الحفاظ على مساحة سياسية للإقليم وسط الضغوط المتنافسة، لكن العلاقات الخارجية لا يمكن أن تعوض ضعف المؤسسات أو غياب التنسيق السياسي أو هشاشة الأسس الاقتصادية.
ويتمثل التحدي أمام أربيل في تحويل الزخم الدبلوماسي إلى مكاسب قابلة للقياس، فيما تكمن فرصة أوروبا، طبقاً للتقرير، في ربط التعاون الأمني بالحوكمة والتنمية والحوار السياسي.
فالإقليم لا يستطيع تحديد مسار جميع التطورات في الشرق الأوسط، لكنه يستطيع المساعدة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة وتقليل فرص انتقال عدم الاستقرار إلى مناطق جديدة، وهو ما يمنحه، بحسب التقرير، قيمة استراتيجية بالنسبة إلى أوروبا.