"من الحياد إلى المواجهة".. تحوّل ملحوظ في سلوك الفصائل العراقية

"من الحياد إلى المواجهة".. تحوّل ملحوظ في سلوك الفصائل العراقية
2026-04-17T10:00:07+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

تعرض ضبط النفس العراقي لضغوط متزايدة خلال الحرب، لدرجة أن الحكومة العراقية امتنعت عن كبح جماح الفصائل الشيعية المسلحة للانخراط فيها، بحسب ما لاحظته مجلة "فورينآفيرز" الأميركية، التي تناولت تزايد مخاوف الشيعة في المنطقة من محاولات إضعافهم، نتيجة الحرب "الأميركية – الإسرائيلية" على إيران.

وأشارت المجلة الأميركية في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، إلى أن الحرب أبرزت أهمية الهوية الشيعية في مختلف المجالات، وهو ما يعيد تشكيل كيفية تقييم اللاعبين السياسيين والعسكريين لمصالحهم والمخاطر، لافتةً إلى أن الجماعات التي ربما كانت ستبقى على الحياد باتت أكثر ميلاً للانخراط في الصراع.

وأوضح التقرير، أن "هذه الحرب تمثل حلقة مفرغة، حيث إن الأعمال الناجمة عن مخاوف التهميش تثير ردود فعل وقلق المزيد من الناس، وهو ما من شأنه توسيع القاعدة الاجتماعية للتعبئة الشيعية"، مبيناً أن "محور المقاومة"، الذي يمثل شبكة إيران من الحلفاء و"الوكلاء" في المنطقة، واجه انتكاسات عديدة منذ العام 2023.

وأضاف أن العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية تؤدي إلى إعادة تشكيل "المحور"، ليس بدفع من طهران، وإنما كنتيجة لدافع فطري نابع من هوية شيعية تشعر بأنها محاصرة، مؤكداً أن الحرب في إيران تشكل المثال الأحدث والأكثر دراماتيكية لما يعتبره الشيعة حملة أوسع ضد مصالحهم وحضورهم، إذ يخشون انتزاع المكاسب التي حققوها في العقود الأخيرة، كما في العراق ولبنان وغيرها، منهم.

وتابع التقرير، أنه مع اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي والحملة الإسرائيلية العنيفة في لبنان، تزايدت هذه المخاوف حدة، مستطرداً بالقول: "في أماكن مثل باكستان والبحرين، كان رد فعل المجتمعات الشيعية على الحرب يتمثل في الغالب بالاحتجاجات والتعبئة الرمزية".

وبين أن سلوك الفصائل المسلحة والسياسية التي تشكل جوهر القوة الشيعية في المنطقة كان أكثر أهمية، حيث أظهر سلوكها بروز الهوية بشكل متزايد، لا من خلال الخطابات وحدها، وإنما أيضاً من خلال قرارات القتال، مضيفاً أن الأبرز هو قرار حزب الله اللبناني دخول الحرب في مارس/آذار، رغم ضعفه ومواجهته ضغوطاً إسرائيلية متواصلة.

ووفقاً للتقرير، فإن هجمات إسرائيل التي استهدفت السكان الشيعة تزيد من كلفة ضبط النفس بالنسبة للحزب، الذي اعتبر أن عليه مواصلة القتال خشية أن يُنظر إليه على أنه تخلى عن دوره كمدافع عن المجتمع الشيعي.

أما فيما يتعلق بالعراق، فقد قال التقرير، إن الوضع كان أكثر تعقيداً، لكنه لا يقل دلالة، موضحاً أنه منذ البداية شددت السلطات الشيعية البارزة على ضرورة الحذر، كما فعل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في أوائل مارس/آذار، عندما حذر من التصعيد وشدد على أهمية تجنب جرّ البلد إلى حرب أوسع.

كما أكد: "رغم تزايد حدة خطاب السيستاني لاحقاً، إلا أنه لم يوجّه دعوة إلى الجهاد أو التعبئة العامة، ما يظهر مدى قلق القادة الشيعة في العراق من انهيار النظام السياسي الهش"، مشيراً إلى أن "فكرة ضبط النفس ظلت تتعرض لضغوط متزايدة، وتغيرت البيئة السياسية القائمة، خصوصاً مع الضربات المتكررة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على مواقع الحشد الشعبي، ثم رد بعض فصائل المقاومة الإسلامية في العراق بشن هجمات من جهتها، حيث توسع نطاق المواجهة وتزايد الضغط على الحكومة العراقية وقواعدها الشيعية".

وبحسب التقرير، فإن الحكومة العراقية "رفضت كبح جماح هذه الجماعات، ما يمثل تحولاً عن الجهود السابقة لاحتواء التصعيد"، لافتاً إلى أن "الحشد الشعبي ليس مجرد مجموعة من الميليشيات، بل هو ركيزة أساسية للسلطة الشيعية في العراق بعد عام 2003، والأهم من ذلك أنه جزء من القوات المسلحة العراقية الخاضعة لسلطة رئيس الوزراء، ما يعني أن استهدافه يُعدّ ضرباً للدولة العراقية نفسها، وهو ما يزيد الضغط على القوات الحكومية للرد المباشر على الولايات المتحدة وإسرائيل".

وأشار إلى أن هذه الردود تعكس أهمية كبيرة عند مقارنتها بالمراحل السابقة من المواجهة "الإيرانية – الإسرائيلية"، حيث إنه في حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران 2025، التزمت الفصائل الشيعية في لبنان والعراق الحياد بدرجة كبيرة"، مؤكداً أن "ذلك الصراع بدا قابلاً للاحتواء، مع مخاطر وجودية محدودة على الحكم الإيراني أو حلفائه في المنطقة، في حين أن الحرب الحالية أوسع نطاقاً بكثير، إذ إنها تطال وترتبط بالجماعات الشيعية في أنحاء المنطقة كافة، وهو ما من شأنه تفسير بعض أسباب انخراط المزيد من هذه الجماعات في القتال، رغم تزايد مخاطر الرد الأميركي والإسرائيلي".

وطبق التقرير، فإن "النتيجة كانت حلقة مفرغة خطيرة"، حيث إن التعبئة الأولية من جانب جهات فاعلة أكثر التزاماً أيديولوجياً، مثل حزب الله وبعض الميليشيات العراقية، قادت إلى تصعيد من إسرائيل والولايات المتحدة، بما في ذلك استهداف المجتمعات والمؤسسات الشيعية، وهو ما فاقم الشعور بالتهديد لدى الشيعة، وجعل من الصعب على الأطراف السياسية والعسكرية الشيعية الاكتفاء بضبط النفس، على حد قوله.

ورجّح أن يؤثر بروز الهوية الشيعية المتزايد على مسار التوترات الإقليمية المستقبلية، موضحاً أنه في لبنان مثلاً قد تجعل هذه الديناميكية من الصعب عزل حزب الله سياسياً، حتى مع استمرار الضغط العسكري عليه، مشيراً إلى أن سيناريو استمرار الاحتلال في الجنوب اللبناني قد يعني، بالنسبة للشيعة، تهديداً مباشراً لموقعهم وأمنهم.

وتابع التقرير، قائلًا إنه "قد يتكرر سيناريو مشابه في العراق، وإن كان ذلك عبر آليات مختلفة"، مبيناً أن "الجماعات الشيعية المسلحة في العراق أظهرت استجابتها لتهديدات سابقة تمثلت أولاً في الغزو والاحتلال الأميركي، ثم في صعود تنظيم داعش، أما اليوم، فإن المخاوف المتجددة من الضغوط الخارجية، التي تغذيها هواجس تجدد التطرف السني وانتهاكات السيادة العراقية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، تعيد إحياء الروايات القديمة حول المقاومة".

وتحدث أيضاً أن المزيد من الجماعات في العراق قد تكون على استعداد لممارسة ضغوط عسكرية وسياسية على الولايات المتحدة للحد من وجودها في البلاد أو إنهائه، في حين قد تتزايد التوترات الطائفية والسياسية بين الشيعة العراقيين من جهة، والسنة والكورد من جهة أخرى.

وخلص التقرير، إلى أن المغزى الأوسع هو أن الحرب قد تعيد تشكيل أجزاء من "محور المقاومة" المدعوم من إيران انطلاقًا من قواعده الشعبية، مضيفاً أن الدافع الرئيسي لن يكون بالضرورة التنسيق المركزي من جانب طهران، وإنما المخاوف المحلية من التهميش والاحتلال والتخلي، وأن هذه المخاوف لطالما دعمت حركات المقاومة حتى في غياب دعم قوي من الدولة.

ولفت إلى وجود مفارقة في النتائج، موضحاً أن الحرب التي تستهدف جزئياً إضعاف إيران وشبكتها الإقليمية قد تعزز، بدلًا من ذلك، الظروف الاجتماعية والسياسية التي تدعم إيران والقوى الحليفة لها، وقد لا يكون هذا "المحور" الجديد شبيهاً بسابقه، بل أكثر تشتتاً وأقل تنسيقاً وأصعب سيطرة، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أكثر استدامة واستقلالية عن أي دولة أو جهة فاعلة منفردة، ومتجذراً في شعور متزايد بالخوف الجماعي.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon