تقرير أميركي يبرئ "شحنات الدولار" من أزمات العراق: لا علاقة لها بالرواتب
شفق نيوز- ترجمة
أثار قرار الولايات المتحدة تعليق شحنات الدولار النقدي إلى العراق لنحو ثلاثة أشهر، قبل استئنافها مطلع تموز/ يوليو الماضي، موجة من التساؤلات والتفسيرات التي ربطت الخطوة بتقييد وصول بغداد إلى عائداتها النفطية، أو تهديد قدرتها على دفع الرواتب وتمويل الاقتصاد.
لكن تقريراً لمعهد المجلس الأطلسي الأميركي، أعده الباحث في برامج الشرق الأوسط أحمد طباخجالي وترجمته وكالة شفق نيوز، يرى أن هذه التصورات تستند إلى فهم غير دقيق لطبيعة الحسابات العراقية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والآلية التي تُدار من خلالها عائدات النفط واحتياطيات البنك المركزي.
وبحسب التقرير، فإن تعليق شحنات الدولار النقدي لم يحرم الحكومة العراقية من إيراداتها النفطية، ولم يؤثر في قدرتها على تمويل الرواتب والنفقات العامة، كما لم يترك أثراً واضحاً في سعر صرف الدولار داخل السوق الموازية.
حسابان منفصلان
أوضح التقرير أن العراق يمتلك حسابين منفصلين لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، رغم ارتباطهما بعملية تحويل عائدات النفط من الدولار إلى الدينار.
ويُخصص الحساب الأول لإيداع إيرادات صادرات النفط العراقية، فيما يمثل الحساب الثاني احتياطيات البنك المركزي العراقي من العملات الأجنبية.
ومن حساب الاحتياطيات تُسحب الدولارات النقدية وتُنقل جواً إلى العراق على دفعات دورية، قبل إيداعها في خزائن البنك المركزي وتوزيعها لتلبية الطلب على العملة الأميركية.
وبذلك، فإن تعليق شحنات النقد لا يعني تجميد عائدات النفط أو منع الحكومة من الوصول إليها، إذ إن الإيرادات النفطية تُدار ضمن مسار مالي مختلف عن الأموال المخصصة للشحنات النقدية.
مليارات لم تغيّر المشهد
وأشار التقرير إلى أن نسبة الاحتياطيات المحتفظ بها على شكل نقدي تراجعت بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية، من نحو 7.9% من إجمالي الاحتياطيات نهاية عام 2014، إلى قرابة 1.5% بنهاية عام 2025.
ووفق تقديرات التقرير، حجبت الولايات المتحدة شحنتين نقديتين على الأقل خلال الفترة الممتدة بين الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى ضد إيران أواخر شباط/ فبراير، واستئناف الشحنات مطلع تموز/ يوليو، من بينها شحنة بلغت قيمتها 500 مليون دولار.
ورجح أن إجمالي الأموال التي جرى تعليق إرسالها تراوح بين مليار ومليار ونصف المليار دولار، إلا أنه اعتبر هذا المبلغ محدود التأثير عند مقارنته بحجم الاقتصاد العراقي والتدفقات المالية الحكومية.
ووفق بيانات وزارة المالية والبنك المركزي العراقي، بلغت الإيرادات النفطية خلال المدة من آذار/ مارس إلى أيار/ مايو نحو 10.9 مليارات دولار، أودعها مشترو النفط في حساب الإيرادات النفطية لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وباعت وزارة المالية نحو 8.1 مليارات دولار إلى البنك المركزي مقابل حصولها على الدينار العراقي، لتمويل نفقات الموازنة، التي بلغت نحو 22.2 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة، فيما جرى تمويل الجزء المتبقي من الإيرادات غير النفطية والاقتراض الداخلي.
وأضاف التقرير أن وزارة المالية باعت للبنك المركزي نحو 1.1 مليار دولار إضافية خلال حزيران/ يونيو، من إيرادات النفط الخاصة بذلك الشهر.
الرواتب وسعر الصرف
وخلال المدة من آذار/ مارس إلى حزيران/ يونيو، باع البنك المركزي العراقي نحو 18.3 مليار دولار من احتياطياته إلى الشركات والأفراد عبر المصارف، لتمويل الاستيرادات والمعاملات العابرة للحدود.
وأوضح التقرير أن هذه الأموال خرجت من حساب الاحتياطيات ذاته الذي تُموَّل منه شحنات الدولار النقدي، ما يعني أن تعليق الشحنات لم يقيّد قدرة البنك المركزي على تمويل التجارة الخارجية أو تلبية احتياجات الاقتصاد المرتبطة بالاستيراد.
كما لم يمنع الحكومة من تحويل عائداتها النفطية إلى الدينار واستخدامها في تمويل الرواتب والنفقات العامة، وفق التقرير.
ولفت التقرير إلى أن سعر الدولار في السوق الموازية بقي مستقراً تقريباً بين آذار/ مارس وتموز/ يوليو، رغم توقف الشحنات النقدية، وهو ما اعتبره مؤشراً على عدم حدوث طلب استثنائي أو حالة ذعر في السوق.
وقارن التقرير الوضع الحالي بما جرى عام 2015، حين علقت الولايات المتحدة تحويلات الدولار بسبب مخاوف من وصول العملة إلى تنظيم “داعش” ومصارف إيرانية، ما أدى آنذاك إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 11% نتيجة زيادة الطلب على العملة الأميركية.
أما خلال التعليق الأخير، فلم يظهر تأثير مماثل، في ظل تغير طبيعة النظام المالي العراقي وتراجع الاعتماد على الدولار النقدي مقارنة بالسنوات السابقة.
وبحسب التقرير، كان الأثر المحتمل الوحيد لاستمرار وقف الشحنات يتمثل في تقليص كمية الدولار النقدي المتاحة للمسافرين عبر المطارات، مع بقاء إمكانية استخدام البطاقات المصرفية لتغطية النفقات خارج البلاد.
وأشار إلى أن البنك المركزي واصل خلال فترة التعليق تزويد المسافرين، ولا سيما المتوجهين لأداء مناسك الحج، بالدولار النقدي، إذ وفر نحو 600 مليون دولار من الأموال المتاحة في خزائنه خلال المدة بين آذار/ مارس وحزيران/ يونيو.
تحول مصرفي واسع
ورأى التقرير أن الاقتصاد العراقي شهد تغيرات كبيرة منذ عام 2003، مع انتقال تدريجي من اقتصاد نقدي وغير رسمي إلى نظام مصرفي أكثر تنظيماً.
وتسارع هذا التحول بعد تحديث البنك المركزي العراقي، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، آليات توفير الدولار للتحويلات الخارجية، بما ينسجم مع المعايير الدولية.
وأوضح أن النظام الجديد جاء بعد عامين من التخطيط والتنسيق بين الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ووزارة الخزانة الأميركية، والبنك المركزي العراقي، ووزارة المالية.
وأشار إلى أن الإجراءات الجديدة شكلت تحولاً كبيراً في اقتصاد كانت القطاعات غير الرسمية والمعاملات النقدية تهيمن على جزء واسع من نشاطه، إلا أن الصدمة الأولى، إلى جانب الإجراءات اللاحقة التي اتخذتها الحكومة والبنك المركزي، أسهمت في تسريع الانتقال نحو النشاط المصرفي والاقتصاد الرسمي.
وبيّن أن التحويلات الدولية أصبحت تتركز بصورة متزايدة في المصارف العراقية الأقوى، التي تمتلك علاقات مصرفية مع بنوك دولية كبرى، وتخضع معاملاتها لتدقيق جهة دولية لإدارة المخاطر يرشحها الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
وارتفعت حصة هذه التحويلات من نحو 40% عام 2023، إلى 95% خلال الفترة من كانون الثاني/ يناير إلى أيار/ مايو 2026، على حساب نظام التحويلات السابق.
كما تراجعت حصة المعاملات النقدية من إجمالي المدفوعات العابرة للحدود، بما في ذلك الدولارات التي يوفرها البنك المركزي للمسافرين عبر المطارات، وهي القناة الأكثر تأثراً بتوقف شحنات النقد.
رقابة مشددة
وأكد التقرير أن نظام توزيع الدولار النقدي، الذي أُقر بعد تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، أصبح من أكثر أنظمة توزيع النقد خضوعاً للرقابة.
ورغم استمرار محدودية القدرة على تتبع الأموال النقدية مقارنة بالتحويلات المصرفية، فإن النظام يوثق معلومات تفصيلية عن طالبي الدولار، تشمل أرقام جوازات السفر، ووجهات السفر، وتكرار الرحلات، والمبالغ التي يحصلون عليها.
وتتيح هذه البيانات للسلطات إمكانية التحقيق في نشاط المسافرين والأطراف المرتبطة بهم، عند ظهور شبهات أو مؤشرات تستدعي التدقيق.
وخلص التقرير إلى أن الاقتصاد العراقي، ولا سيما القطاع المالي، شهد تحولاً كبيراً خلال العقدين الماضيين، وأن تقييم المخاطر المالية الحالية لا يمكن أن يستند إلى افتراضات قديمة تعود إلى مرحلة الفوضى الاقتصادية التي أعقبت عام 2003.
وختم تقرير معهد المجلس الأطلسي الأميركي، بأن توقف شحنات الدولار الأخيرة كشف استمرار تداول تصورات قديمة بشأن النظام المالي العراقي، رغم التحولات التي شهدها القطاع المصرفي، مؤكداً أن التغطية الإعلامية بحاجة إلى مواكبة هذه التغيرات وفهم طبيعة العلاقة بين عائدات النفط، واحتياطيات البنك المركزي، وشحنات الدولار النقدي.