من "كروبي" إلى "مهسا".. ندوة في واشنطن تستعرض التحولات الجذرية للنظام الإيراني
شفق نيوز- واشنطن
مصطفى هاشم
استضاف معهد "بروكينغز" الأميركي، ندوة نقاشية تناولت مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتحولات الجذرية التي شكلت المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
وقال مراسل وكالة شفق نيوز في العاصمة الأميركية واشنطن، إن الجلسة أدارتها نائبة الرئيس ومديرة برنامج السياسة الخارجية في المعهد، سوزان مالوني، بمشاركة خبراء بارزين هما مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز"، يغانه تربيتي، ورئيس القسم الرقمي في شبكة "إيران إنترناشيونال"، بزرك مهر شرف الدين.
وقد استندت الندوة إلى سرد قصص شخصيات إيرانية محورية لتعكس الصراع المستمر بين طموحات الشعب وقبضة الدولة، حيث استهل المتحدثون الجلسة باستعراض قصة مهدي كروبي، الذي جسد التحول من الإيمان المطلق بالثورة إلى المعارضة.
وبدأ كروبي كمسؤول ثوري صادر ثروات الأغنياء لتوزيعها على الفقراء، لكنه تحول لاحقاً، وخاصة إبان توليه رئاسة البرلمان، إلى ناقد بارز للنظام وتدخل الحرس الثوري في الاقتصاد، وهو الموقف الذي كلفه وضعه تحت الإقامة الجبرية لأكثر من عقد من الزمن.
وناقشت الندوة إخفاقات الحركة الإصلاحية والفرص التاريخية الضائعة، بدءاً من صدمة فوز الإصلاحيين عام 1997، وصولاً إلى "الحركة الخضراء" عام 2009. في ذلك العام، نزل نحو ثلاثة ملايين متظاهر إلى شوارع طهران، إلا أن قادة الحركة لم يدركوا كيفية استثمار هذه القوة الشعبية، مما أدى إلى خفوتها.
كما تطرق النقاش إلى موقف إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، التي فضلت التراجع وعدم دعم المحتجين علناً لتجنب تصوير الاحتجاجات كـ"مؤامرة أميركية".
ورغم ذلك، وصف النظام الإيراني قادة الحركة والمحتجين بأنهم عملاء لأميركا، وصورهم في لافتات دعائية على أنهم يرتدون أزياء "العم سام". وقد أقر بعض المسؤولين الأميركيين لاحقاً بالندم على ضياع تلك الفرصة لدعم التغيير.
وفي المحور الاقتصادي، كشف المتحدثون كيف تحول النظام إلى منظومة تعتمد على "الفساد والمحسوبية"، حيث تسيطر الكيانات التابعة للدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري، على مفاصل الاقتصاد.
وسلطت الندوة الضوء بشكل خاص على قطاع التكنولوجيا والشركات الناشئة، الذي شهد طفرة غير مسبوقة بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2015 بفضل الاستثمارات الأوروبية والروسية.
إلا أن هذا النجاح أثار "جنون العظمة" لدى النظام؛ فبعد تحذيرات من المرشد الأعلى بشأن "الاختراق الغربي"، شنت وسائل الإعلام المتشددة والأجهزة الأمنية حملة ترهيب واسعة، تضمنت استجوابات واعتقالات لرواد الأعمال، "مما أجبرهم في النهاية على التنازل عن حصص شركاتهم الناجحة وبيعها لكيانات أمنية وتجارية تابعة للحرس الثوري مقابل ما يُشبه الحماية بأسلوب المافيا، الأمر الذي دمر استقلالية القطاع الخاص".
وعلى الصعيد الاجتماعي، قدمت الندوة تحليلاً جيلياً عميقاً للمجتمع الإيراني، مشيرة إلى أن الجيل الأول كان مؤمناً بالنظام، والجيل الثاني سعى لإصلاحه ومجادلته، بينما برز الجيل الثالث متمرداً بالكامل ورافضاً للسلطة الأبوية والحكومية.
وتجلت هذه الروح في حراك "امرأة، حياة، حرية" الذي تفجر عقب مقتل الشابة مهسا أميني، حيث أوضحت الندوة كيف قادت شابات ينحدرن من مدن صغيرة وقرى تمرداً شجاعاً ضد "شرطة الأخلاق" دون انتظار قيادة سياسية.
ورغم افتقار هذه الحركة اللا مركزية إلى الأدوات الإستراتيجية الكفيلة بإسقاط نظام يمتلك "قوة نارية قمعية"، إلا أنها نجحت في إحداث تغييرات ثقافية واجتماعية لا رجعة فيها، حيث كُسر حاجز الخوف المرتبط بقواعد اللباس الصارمة، وتغيرت حتى نظرة العائلات المحافظة تجاه بناتهن.
في ختام الندوة، تطرق المشاركون إلى منعطف درامي وخطير تمثل في سلسلة ضربات عسكرية غير مسبوقة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ شهر شباط/ فبراير الماضي، في محاولة صريحة لتغيير النظام بالقوة العسكرية.
وناقشت الندوة كيف أسفرت تلك الضربات عن مقتل المرشد الأعلى، ليتولى نجله توجيه القرارات من خلف الكواليس بصفته "المرشد الأعلى الجديد"، وعلى الرغم من فقدان القيادة، وتدمير أجزاء من البنية التحتية، وتدهور الاقتصاد بشكل مروع -حيث يُتوقع أن تصل معدلات التضخم إلى 70% مع ارتفاع حاد في أسعار الغذاء وتسريح جماعي للعمال- أثبت النظام "قدرة مرعبة على الصمود".
وأرجع الخبراء هذا البقاء إلى تركيبة النظام التي تضع "حفظ الذات" فوق أي اعتبار، واستعداده التام لتحميل المواطنين الإيرانيين أقسى التكاليف المعيشية والبشرية في سبيل امتصاص الصدمات وعدم الرضوخ للضغوط الخارجية، مما يطرح تساؤلات مفتوحة ومقلقة حول مستقبل البلاد.