إثبات مصدر الأموال وضبابية الرسوم.. عقبات مؤسسية تعرقل تنظيم التجارة في العراق
سوق الشورجة التجاري وسط بغداد بعدسة شفق نيوز (أرشيف)
شفق نيوز - بغداد
انتقد رئيس مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية منار العبيدي، اليوم السبت، العقبات والعراقيل التي تواجه التجار في العراق منذ مرحلة تأسيس شركاتهم ومشاريعهم مروراً في حصولهم على العملة الصعبة وصولاً الى الاجراءات المصرفية الخاصة بهذا الأمر، محذراً من تبعات البيروقراطية التي تواجه سوق العمل وتأثيرها على زيادة معدل البطالة في البلاد.
وقال العبيدي في منشور تفصيلي، إنه "بعد أكثر من ثلاث سنوات على تطبيق محددات التحويل الخارجي، لا يكفي أن نكرر مطالبة التجار بالتعامل مع المصارف، ثم نفسر استمرار لجوء بعضهم إلى السوق الموازي بأنه مجرد رفض للالتزام"، مضيفا "نحن نطلب من التاجر أن يصبح منظماً مصرفياً، بينما يواجه التعقيد منذ لحظة تسجيل نشاطه".
ووفقا لتقرير البنك الدولي Doing Business 2020 وضع العراق في المرتبة 154 من أصل 190 اقتصاداً في سهولة بدء النشاط التجاري، بمتوسط 8٫5 إجراءات و26٫5 يوماً لتأسيس الشركة وبدء عملها الرسمي وفق الحالة التي درسها في بغداد.
وأكد الخبير الاقتصادي أن "هذه الارقام تكشف أن عوائق تأسيس الأعمال سبقت محددات التحويل الخارجي بسنوات"، لافتا إلى أن "تشديد متطلبات التحويل كان يحتاج إلى إصلاح موازٍ يجعل استيفائها ممكناً".
مستحقات للدولة
ونوه العبيدي إلى أن "الضريبة، والضمان الاجتماعي، والرسوم، وبقية الالتزامات يجب أن تكون واضحة وقابلة للحساب قبل أن يتخذ التاجر قراره. لكن كثرة التعليمات وتداخلها وصعوبة فهم تطبيقها تجعل التكلفة النهائية غير واضحة له".
وأشار إلى أن "التاجر يستطيع أن يضع رسماً معلوماً ضمن كلفة بضاعته، لكنه يصعب عليه التخطيط لالتزام لا يعرف مقداره أو توقيت المطالبة به هذا بالاضافة الى ما يتعرض له من ابتزاز مالي يفوق الأموال التي يدفعها للدولة مما يراكم من كلفة تجارته كلما أصبح الدخول إلى القطاع الرسمي مرتبطاً بعدم اليقين، وضعف جاذبيته، حتى لو أتاح الحصول على العملة بالسعر الرسمي".
إثبات مصدر الأموال
ولفت العبيدي إلى أن "تاجراً يعمل منذ عشرين عاماً، يبيع ويشتري نقداً، ويعيد استثمار أرباحه في البضاعة، لكنه لا يمتلك قوائم مالية منتظمة أو سجلات تاريخية مكتملة. اليوم يُطلب منه تقديم وثائق تفسّر كيف تكوّن رأس ماله"، مبينا أن "نشاطه قد يكون مشروعاً، لكن تاريخه التجاري غير موثّق بالشكل الذي يحتاجه المصرف. وهنا تظهر الفجوة: لديه تجارة قائمة وأموال متراكمة، لكنه لا يمتلك الملف المالي الذي يتيح التحقق منها".
وشدد على أن "هذه الفجوة تحتاج إلى معالجة مؤسسية: مسار واضح لتوثيق النشاط ومصادر الأموال، ومساعدة محاسبية، ومتطلبات تتناسب مع حجم النشاط ومخاطره، من دون إسقاط التحقق أو التساهل مع الأموال غير المشروعة، فالسجل المالي الذي لم يُبنَ خلال سنوات لن يظهر بمجرد إصدار تعليمات جديدة".
عوائق مصرفية
وأكد الخبير الاقتصادي أنه "حتى التاجر الذي يستكمل متطلباته قد يواجه مصرفاً لا يجد جدوى كافية في خدمته"، منبهاً إلى أن "الحوالة الصغيرة تحتاج إلى تدقيق هوية العميل والمستفيد ومصدر الأموال والفاتورة والغرض من التحويل"، لافتاً إلى أن "جزءا كبيرا من هذا العمل مطلوب أيضاً للحوالة الكبيرة، بينما قد يكون العائد من الصغيرة أقل بكثير".
وحذر رئيس مؤسسة "عراق المستقبل بالقول إن "هذا التفاوت يخلق حافزاً لدى بعض المصارف لتفضيل الحوالات الكبيرة ووضع حدود أو شروط تستبعد الصغيرة، والنتيجة أن التاجر الذي نطالبه بالانتقال إلى القنوات الرسمية قد لا يجد خدمة مصرفية مناسبة لحجم تجارته".
واستبعد العبيدي تراجع الاعتماد على السوق الموازي إذا بقي البديل الرسمي صعب الدخول، وغير واضح الكلفة، ومحدود الخدمة لصغار التجار، داعيا إلى أهمية إيجاد حلول بديلة تعتمد على التقنية والاتمته لتنظيم التجارة وربط التجار بالموردين المعتمدين والمصارف وشركات الشحن.
حلول رقمية للأعمال التجارية
واقترح الخبير الاقتصادي "حلا رقميا يدخل إليه التاجر بطلب شراء صغير، فيساعده على استكمال ملفه، ويوفر فاتورة موثقة من مورد معتمد، ويوضح كلفة الشراء والشحن والرسوم، ويجمع الطلبات المتشابهة، ويربط الدفع بوصول البضاعة وتسلمها، وبهذا ومع كل عملية، يتكوّن للتاجر سجل تجاري ومالي يمكن الرجوع إليه".
واستدرك القول إن "نجاح هذه الحلول الرقمية يتطلب أن ترافقها إجراءات أبسط لتسجيل الأعمال، ومستحقات حكومية معلنة وقابلة للحساب، ومسار معتمد لتوثيق الأموال، والتزام مصرفي بخدمة المعاملات الصغيرة.
شيطنة التاجر العراقي
وخلص العبيدي قائلا "اما ان نضع العقبات والعراقيل والضبابية امام التاجر وشيطنته بحجة انه هو من يعمل على خلق مضاربات السوق العملة، فهذا عدم فهم واضح للسوق وللقطاع التجاري"، معتبراً أن "كل تاجر صغير هو عبارة عن فرصة عمل لخمسة أشخاص مباشرين، ولخمسة أشخاص غير مباشرين"، ومحذراً من أن "توقف أي تاجر عن العمل، او تراجع عمله هو عبارة عن ضياع 10 فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في سوق ترتفع فيه نسب البطالة بشكل كبير
واختتم الخبير الاقتصادي بالقول إن "من يريد تقليص السوق الموازي عليه أن يجعل الطريق الرسمي قابلاً للاستخدام. التاجر يحتاج إلى باب يستطيع الدخول منه، وكلفة يعرفها مسبقاً، ومصرف يقبل خدمته".