إيلام.. أكثر من مجرد تسلية: البعد الثقافي والطقسي للألعاب التراثية
شفق نيوز- ترجمة خاصة
قبل أن تستحوذ الهواتف المحمولة، وألعاب الكمبيوتر، وشبكات التواصل الاجتماعي على جزء كبير من أوقات فراغ الأطفال واليافعين، كانت الأزقة والدشتات وباحات المنازل في إيلام الفيلية مسرحاً لمنافسات لا تتطلب أدوات كثيرة؛ قبعة واحدة، وبضع حصوات، وجمع من الأصدقاء، كانت كفيلة بخلق ساعات من اللعب والحماس.
وبحسب تقرير لوكالة "فارس" الإيرانية ترجمته وكالة شفق نيوز؛ لم تكن الألعاب الشعبية والمحلية في إيلام الفيلية مجرد تسالي بسيطة لقضاء أوقات الفراغ؛ بل كانت جزءا من الثقافة الشفهية، والذاكرة الجمعية، وأسلوب التفاعل الاجتماعي للأجيال السابقة؛ ألعاب كانت تُعلّم الأطفال مهارات مثل الدقة، والخفة، والتعاون، الالتزام بالقواعد، وقبول الخسارة والفوز، إلى جانب النشاط البدني.
من بين هذه الألعاب، تحتل لعبتا (کلاو روانکی) و(پلان) مكانة خاصة؛ وهما لعبتان مختلفتا الطابع، تمتلك كل منهما مجموعة من القواعد والمصطلحات والمهارات الخاصة بها، ولا يزال بالإمكان العثور على أثرها في ذاكرة الاجيال القديمة في إيلام.
معركة خطف القبعة
تعد لعبة (کلاو روانکی) إحدى الألعاب المحلية في إيلام، ويرتبط اسمها بمفهوم "خطف القبعة". تمارس هذه اللعبة عادة بشكل جماعي وبعدد زوجي من اللاعبين، يتراوح بين 10 إلى 12 لاعباً.
يُقسم اللاعبون إلى فريقين. يقف أعضاء الفريق الأول على الأرض في شكل دائري على أطرافهم الأربعة، ويكون كل منهم مرتديا قبعة على رأسه. بينما يقف الفريق الآخر خارج الدائرة محاولا خطف إحدى القبعات.
لكن خطف القبعة ليس نهاية المطاف؛ إذ يجب على اللاعب المهاجم إيصال القبعة إلى نقطة محددة مسبقاً تُسمى في اللعبة (مرگه).
أما الفريق الجالس فيلعب دور المدافع، ويحاول ضرب كاحل قدم اللاعبين الواقفين لمنعهم من النجاح. وإذا تمكن أحد اللاعبين الجالسين من ضرب قدم أحد الواقفين، يخسر الفريق الواقف اللعبة وتبادل الفريقان الأماكن.
في المقابل، إذا نجح الخاطف في إيصال القبعة إلى نقطة (مرگه)، يحصل الفريق المهاجم على نقطة، ويبقى الفريق الجالس في أرض الملعب.
وتكتمل إحدى نقاط الجذب في اللعبة عندما يتمكن صاحب القبعة من استعادتها من الخاطف؛ وفي هذه الحالة يتبادل الفريقان الأماكن أيضاً.
في الواقع، تُعد (کلاو روانکی) مزيجا من السرعة، الخفة، قدرة اتخاذ القرار، الدفاع الجماعي، والتعاون؛ وهي لعبة يتعين فيها على كل لاعب، إلى جانب الانتباه لأدائه الشخصي، مراقبة سلوك أعضاء الفريق المنافس.
وتعد لعبة (کِلاو روان) من الألعاب المحلية في إيلام التي كانت تمارس قديما في الطبيعة والمناسبات مثل عيد نوروز، وقد حظيت بالاهتمام باعتبارها أحد عناصر التراث غير المادي للمحافظة.
لعبة الحجارة والدقة
تُعد لعبة (پلان) أو (پهلان) لعبة شعبية أخرى في إيلام كانت شائعة بين مختلف الفئات العمرية، وتقوم بنيتها على التنافس بين فريقين، والدقة في الرمي والتصويب.
في هذه اللعبة، يُقسم اللاعبون إلى فريقين يتكون كل منهما من ثلاثة أفراد، ويُختار شخص واحد حكماً.
ويجب أن تكون أرض اللعبة مستوية، وتُخصص لها عادة مساحة بطول 40 متراً وعرض 3 أمتار. وعلى جانبي الأرض، تُوضع حجارة مسطحة بشكل قائم، ويحاول لاعبو كل فريق تصويب الحجارة القائمة للفريق المنافس.
وتُحدد بداية اللعبة بالقرعة، ومن الطرق الشائعة للقرعة بين الناس طريقة (تهره و هَشکه) أي "الرطب والجاف".
بعد بدء اللعبة، يرمي لاعبو كل فريق حجارتهم بالتناوب نحو الحجارة القائمة للفريق المنافس. وإذا أصابت رمية اللاعب حجر المنافس، تُتاح له فرصة الرمي مرة أخرى.
وفي حال لم يتمكن الفريق البادئ من تصويب حجارة الفريق المنافس، ينتقل الدور إلى الفريق الآخر.
في الظاهر، تبدو (پلان) لعبة بسيطة، ولكنها في الممارسة تتطلب الدقة، التركيز، معرفة المسافات، التحكم في قوة الرمي، والتنسيق بين أعضاء الفريق.
أبعد من مجرد لعبة
لا تقتصر أهمية (پلان) على جانبها الترفيهي فحسب. يقول معاون التراث الثقافي في محافظة إيلام، رائد ناصري فر: "لعبة (پلان) هي أكثر من مجرد منافسة؛ إنها تجسيد للتناسق، الدقة، المهارة البدنية، والطقوس الثقافية".
وفي الروايات الثقافية المرتبطة بهذه اللعبة، ترتبط (پلان) أيضاً بمعتقدات الاستسقاء (طلب المطر)، وتُعبر من هذا المنظر عن جانب من العلاقة التاريخية بين الإنسان والطبيعة والأرض.
هذا الربط بين اللعبة والمعتقدات الاجتماعية والطبيعة يوضح لماذا لا يمكن اعتبار الألعاب الشعبية مجرد تسالٍ قديمة؛ إذ إنها تحمل أحياناً في طياتها مجموعة من المعتقدات، المصطلحات، القواعد الاجتماعية، والذكريات الجمعية لمنطقة ما.
الألعاب الشعبية عرضة للنسيان
وأشار مدير عام التراث الثقافي والصناعات اليدوية والسياحة في محافظة إيلام، فرزاد شريفي، إلى أهمية التراث غير المادي، واعتبر الألعاب الشعبية والمحلية من بين العناصر التي تنقل جزءا من ثقافة المجتمع وهوية أفراده.
وبالإشارة إلى الآداب والتقاليد، والأطعمة المحلية، والأزياء، والصناعات اليدوية، والألعاب الشعبية والمحلية، قال شريفي: "بعض هذه العناصر عرضة للنسيان، وتسجيلها الوطني يمكن أن يمهد الطريق للحفاظ عليها وصيانتها وإحيائها من جديد".
وأضاف أن "الهدف من تسجيل التراث غير المادي ليس مجرد تسجيل عنوان في قائمة الآثار الوطنية، بل يجب توفير الأرضية لاستخدام هذه العناصر وحضورها في الحياة المعاصرة".
لماذا تُعتبر الألعاب المحلية مهمة؟
ويمكن اعتبار الألعاب المحلية واحدة من أبسط الطرق وأكثرها ملموسية لنقل الثقافة من جيل إلى آخر.
فالطفل أثناء اللعب لا يلهو فقط؛ بل يتعلّم القواعد، ويحترم الدور، ويتعاون مع الفريق، ويتذوق طعم الخسارة، ويسعى مع الآخرين لتحقيق هدف مشترك.
في لعبة (کلاو روانکی)، تبرز أهمية الخفة والتعاون، وفي لعبة (پلان)، تتجلى الدقة والتركيز ومهارة التصويب.
كما تتميز هذه الألعاب، نظراً لارتباطها بالبيئة والثقافة المحلية، بامتلاكها مفردات ومصطلحات تحفظ جزءا من اللغة والذاكرة الشفهية لأهالي المنطقة.
ولهذا السبب، فإن اندثار لعبة شعبية لا يعني مجرد التخلي عن وسيلة ترفيه؛ بل قد يعني ضياع جزء من مجموعة ذكريات ومفردات وعلاقات اجتماعية وأساليب تفاعل استخدمتها الاجيال السابقة.
منافس جديد
لقد تغير نمط الحياة اليوم؛ إذ يقضي الأطفال والشباب جزءاً كبيراً من أوقات فراغهم في الفضاء الافتراضي، وألعاب الكمبيوتر، وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن الطبيعي ألا تُشاهد العديد من الألعاب التقليدية في الأحياء كما كانت في الماضي.
القضية ليست رفض التكنولوجيا؛ بل القضية هي أن نجد مكاناً للتراث الثقافي والألعاب الشعبية إلى جانب الوسائل الترفيهية الجديدة.
يمكن إعادة تقديم ألعاب مثل (کلاو روانکی) و(پلان) حتى في قالب برامج ثقافية مدرسية، ومهرجانات قروية، وبرامج عيد نوروز، والفعاليات السياحية.
من ناحية أخرى، فإن هذه الفضاءات الافتراضية ذاتها التي أزاحت جزءاً من الألعاب التقليدية عن ساحة المنافسة، يمكن أن تكون أداة لإحيائها؛ فتسجيل روايات كبار السن، وإعداد فيديوهات تعليمية، وشرح قواعد الألعاب، ونشر صور وذكريات الاجيال السابقة يمكن أن يجعل هذا التراث مفهوما وجاذبا للجيل الجديد.
من الذاكرة إلى الإحياء
للحفاظ على الألعاب الشعبية في إيلام، ينبغي أولا التعرف عليها وتوثيقها بدقة؛ فيجب تسجيل اسم اللعبة، وطريقة تنفيذها، وقواعدها، ومصطلحاتها المحلية، والروايات المرتبطة بها.
بعد ذلك، يتحقق الإحياء الحقيقي عندما تعود هذه الألعاب مجدداً إلى حياة الناس.
إن تنظيم المهرجانات المحلية، والمسابقات الطلابية، والبرامج الثقافية في القرى والأحياء، وتعليم الألعاب للجيل الجديد يمكن أن يشكل جزءاً من هذا المسار.
ربما حان الوقت لتخرج (کلاو روانکی) و(پلان) من ألبوم ذكريات الأجيال القديمة وتدب فيها الحياة مجدداً في الأزقة والمدارس والمهرجانات والفعاليات الثقافية في إيلام؛ فالإرث الذي لا يُلعب به، حتى لو سُجّل، قد ينطفئ تدريجياً في ذاكرة الناس.