إيلام.. شح المياه يهدد إرثاً زراعياً عطرياً في سيروان

إيلام.. شح المياه يهدد إرثاً زراعياً عطرياً في سيروان
2026-11-04T20:23:31+00:00

شفق نيوز- ترجمة خاصة

في سهول سيروان بمحافظة إيلام الفيلية، غربي إيران، لا يمثل رز "عنبر بو" مجرد محصول زراعي ذي نكهة ورائحة مميزتين فحسب، بل يجسد ذاكرة زراعية متوارثة، تختزن جانبا من علاقة الإنسان بأرضه ومناخه وتقاليده الغذائية المتميزة.

وفي حين اكتسب هذا الصنف شهرة تجاوزت حدود موطنه، الا ان زراعته تواجه اليوم تحديات بيئية متزايدة، في مقدمتها بل وأهمها تراجع الموارد المائية، ما يطرح تساؤلات بشأن مستقبل هذا الإرث الزراعي والسبل الكفيلة بحمايته.

وبحسب تقرير لوكالة "مهر" الايرانية، ترجمته وكالة شفق نيوز، في منطقة سيروان بمحافظة إيلام، ارتبطت زراعة رز "عنبر بو"، على مدى أجيال، بالحياة الريفية وأنماط الإنتاج الزراعي التقليدي.

فقد توارث المزارعون المحليون خبراتهم في زراعته والعناية به وحصاده، ليصبح هذا المحصول جزءا من هويتهم الاقتصادية والثقافية، وعنصرا مميزا وحاضرا في المطبخ المحلي وعلى موائد عائلات عديدة في المنطقة.

ويتميز رز "عنبر بو" برائحته العطرية وطعمه الخاص وجودة حبوبه بعد الطهي، وهذه خصائص أسهمت في تعزيز مكانته بين أصناف الرز المعروفة في غرب إيران، ومنحته حضورا دائما في أسواق تتجاوز النطاق الجغرافي لمحافظة إيلام.

بيد أن أهمية هذا الرز لا تتوقف عند قيمته الغذائية أو مردوده الاقتصادي فحسب؛ فهو يمثل نموذجا للتراث الزراعي الحي، الذي لا تقتصر مكوناته على البذور والأرض وأساليب الزراعة، وليس هذا وحسب، بل تشمل أيضا المعارف المتوارثة والخبرات المحلية والعادات الاجتماعية المرتبطة بإنتاجه وتسويقه واستهلاكه.

ومن هذا المنطلق، برزت مبادرات لتسجيل زراعته وحصاده ضمن قائمة التراث الوطني غير المادي في إيران، في خطوة تستهدف الاعتراف بقيمته الثقافية والتاريخية، والإسهام في تعزيز فرص الحفاظ عليه.

كما ينظر إلى تطوير السياحة الزراعية في سيروان باعتباره أحد المسارات الممكنة للتعريف بهذا الإرث، وإتاحة الفرصة للزوار للتعرف على مراحل زراعته وإنتاجه، وعلى طبيعة الحياة الزراعية في المنطقة بشكل عام.

تهديد لاستمرارية الإرث الزراعي

وعلى الرغم من المكانة التي يحتلها، فإن استمرارية زراعة رز "عنبر بو" تواجه تحديا متصاعدا يتمثل في محدودية الموارد المائية، فقد أسهم تراجع معدلات الأمطار وانخفاض مصادر المياه، إلى جانب القيود المتعلقة بزراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، في زيادة الصعوبات التي يواجهها المزارعون، وانعكس ذلك على المساحات المخصصة لزراعته في بعض مناطق الإنتاج.

وتكشف هذه التحديات عن معادلة معقدة تواجه الزراعة التقليدية في مناطق غرب إيران؛ إذ يتعين الحفاظ على المحاصيل التي تشكل جزءا من الهوية المحلية ومصدر رزق للسكان، من دون زيادة الضغط على الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الزراعية.

ويرى مختصون في القطاع الزراعي أن مستقبل إنتاج الرز في محافظة إيلام يرتبط بمدى القدرة على تطوير أساليب زراعية أكثر كفاءة في استخدام المياه المتاحة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، فضلا عن دعم المزارعين بالتدريب والإرشاد والتسهيلات المالية والفنية.

وقال رئيس مركز البحوث والتدريب الزراعي والموارد الطبيعية في محافظة إيلام، علي نجفي فر، إن رز "عنبر بو" يتمتع بقيمة اقتصادية وثقافية كبيرة، مؤكدا أن محدودية الموارد المائية لا ينبغي أن تؤدي إلى التخلي الكامل عن زراعته، بل تستدعي وضع خطط علمية تضمن استمرار إنتاجه بصورة مستدامة.

وأوضح أن أجزاء من الأراضي الزراعية في منطقتي سيروان وجرداول تمتلك إمكانات مناسبة لزراعة الرز، مشيرا إلى أن تحديد الأراضي الملائمة وتخصيص الموارد المائية وفق احتياجاتها يمكن أن يساهما في الحفاظ على الإنتاج وتطويره من دون فرض أعباء إضافية على مصادر المياه.

ومن بين الحلول التي أشار إليها استخدام أصناف مبكرة النضج وأكثر قدرة على تحمل نقص المياه، بما يساعد على تقليص فترة النمو، فضلا عن تطوير أنظمة الري الحديثة وتسوية الأراضي باستخدام تقنية الليزر، وهي إجراءات من شأنها تحسين كفاءة استخدام المياه.

كما شدد على أهمية تأهيل المزارعين في مجالات إدارة الحقول، وتحديد مواعيد الزراعة والحصاد، وترشيد استخدام المستلزمات الزراعية، داعيا إلى تعزيز دور مراكز البحوث والإرشاد في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى المزارعين.

قيمة اقتصادية وفرص عمل

إلى جانب قيمته التراثية، يشكل رز سيروان موردا اقتصاديا مهما لعدد كبير من الأسر الريفية، إذ تسهم زراعته في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتعزيز دخل المزارعين، فضلا عن رفد أسواق محافظة إيلام بجزء من احتياجاتها من الرز.

وقال رئيس منظمة الجهاد الزراعي في محافظة إيلام، علي رضا طولابي، إن قضاء سيروان يعد من أبرز مناطق إنتاج الرز في المحافظة، بفضل ما يمتلكه من أراض زراعية ملائمة وظروف مناخية مناسبة، موضحا أن المنتج المحلي يحظى بمكانة جيدة في الأسواق نظرا إلى خصائصه العطرية ومذاقه وجودة طهيه.

وأضاف أن زراعة الرز تمثل مصدرا مهما للدخل بالنسبة إلى سكان المنطقة، فضلا عن دورها في توفير فرص العمل وتعزيز النشاط الاقتصادي في المجتمعات الريفية.

وبحسب الإحصاءات التي أوردها المسؤول، تجاوزت المساحات المزروعة بالرز في قضاء سيروان 1250 هكتارا، فيما تشير التقديرات إلى إمكانية إنتاج نحو أربعة آلاف طن من الرز الأبيض خلال العام الحالي.

وتعكس هذه الأرقام حجم النشاط الزراعي المرتبط بهذا المحصول، كما تشير إلى أهمية الحفاظ على استمراريته بوصفه موردا اقتصاديا وعنصرا من عناصر التراث المحلي.

وأشار طولابي إلى أن منظمة الجهاد الزراعي تعمل على تقديم الإرشادات الفنية وتوزيع البذور المناسبة ودعم المزارعين، بهدف المحافظة على الإنتاج وتحسين مستوى الكفاءة الزراعية.

المعرفة التقليدية والتقنيات الحديثة

لا تقتصر جهود الحفاظ على هذا المحصول على توفير المياه أو دعم الإنتاج، بل تتطلب أيضا صون المعرفة الزراعية المتوارثة، التي تمثل أحد أهم مكونات التراث غير المادي المرتبط به.

فالمزارعون الذين تناقلوا خبرات زراعة رز "عنبر بو" عبر الأجيال يمتلكون معرفة متراكمة بطبيعة الأرض ومواسم الزراعة وخصائص المحصول، وهي خبرات ينبغي توثيقها والاستفادة منها، بالتوازي مع إدخال التقنيات الزراعية الحديثة.

وفي هذا الإطار، قال مدير الجهاد الزراعي في قضاء سيروان، علي حسيني، إن إدارته تعمل على تقديم الدعم الفني والاستشاري لمزارعي الرز، من خلال الزيارات الميدانية والإرشادات المتعلقة باختيار البذور المناسبة، وتحديد مواعيد الزراعة، وإدارة المياه، ومكافحة الآفات الزراعية.

وأضاف أن برامج الدعم تشمل توزيع البذور المعتمدة والأسمدة اللازمة، إلى جانب العمل على توفير تسهيلات ائتمانية منخفضة الفائدة ومخصصات مالية لمساعدة المزارعين على تأمين المستلزمات والمعدات الضرورية للإنتاج.

وأكد استعداد المديرية لتوسيع برامج التدريب والزيارات الميدانية بالتعاون مع مراكز البحوث والإرشاد الزراعي، ودعم المبادرات التي تسهم في زيادة الإنتاج وتحسين استدامة زراعة الرز في المنطقة.

تراث زراعي يتجاوز حدود المحصول

إن الحفاظ على رز "عنبر بو" في سيروان يتجاوز مسألة الإبقاء على صنف زراعي مميز؛ فهو يرتبط بحماية منظومة من المعارف والعادات والتقاليد التي تشكلت عبر أجيال من التفاعل بين الإنسان والأرض.

وفي ظل التغيرات المناخية وتزايد الضغوط على الموارد المائية، تبرز الحاجة إلى مقاربة متكاملة توازن بين حماية التراث الزراعي وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية.

ويتطلب ذلك تنسيقا بين المؤسسات البحثية والجهات الزراعية والمجتمعات المحلية، مع إشراك المزارعين في صياغة الحلول التي تتناسب مع طبيعة المنطقة واحتياجاتها.

كما يمكن أن يشكل توثيق الممارسات الزراعية التقليدية، وتطوير السياحة المرتبطة بالمحاصيل المحلية، وتعزيز القيمة التسويقية للمنتجات ذات الخصائص التراثية، وسائل إضافية لدعم المجتمعات الريفية وتحفيز الأجيال الجديدة على مواصلة هذا النشاط.

وخلص التقرير الى ان رز "عنبر بو" ليس مجرد حبوب تصل من حقول سيروان إلى موائد الإيرانيين؛ إنه حكاية أرض وذاكرة أجيال ومعرفة زراعية متوارثة؛ والحفاظ عليه يعني حماية جزء من التنوع الثقافي والغذائي في المنطقة، وصون علاقة تاريخية بين الإنسان وبيئته، في وقت أصبحت فيه استدامة الموارد الطبيعية شرطا أساسيا لبقاء هذا الإرث وانتقاله إلى الأجيال المقبلة.

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon