يهود في كركوك.. تاريخ وشواهد وحكاية "ملا عابد" أبرزها

شفق نيوز/ تمتاز محافظة كركوك، بإرثها الحضاري
وتنوع قومياتها، حتى أصبحت مدينة جامعة لكافة الأديان والثقافات، ومن ضمن تاريخها
الحافل، شكل اليهود نقطة فارقة وتركوا أثرا فيه، يستعيده متخصصون ومؤرخون اليوم،
لا سيما قصة "ملا عبود" اليهودي، التي تعد دليلا على التعايش بين
المكونات.
وتضم قلعة كركوك، هذا المعلم التاريخي البارز
في المدينة، مراقد لأنبياء اليهود وأبرزهم دانيال والعزير أو "عزرا"،
إلا أنها تعاني من الإهمال وعدم الاهتمام بها، كسائر المدارس والأبنية التي تركها
اليهود خلفهم بعد إنتهاء وجودهم في خمسينيات القرن الماضي.
وحول هذا الإرث اليهودي، يقول الباحث التاريخي،
ياسين الحديدي، لوكالة شفق نيوز، إن "محافظة كركوك كانت واحد من مواقع تواجد
اليهود، وخاصة في قلعتها ومحلة بريادي، حسب المصادر التاريخية، فالقلعة تضم مراقد
ثلاثة من أنبياء اليهود، كانوا مع الأسرى خلال مرورهم عبر كركوك، حيث تم سجنهم
لفترة طويلة في القلعة، وهم النبي دانيال وحنين وعزرا".
ويضيف أن "مسجد النبي دانيال ما يزال قائما
في القلعة حتى الآن، وهو يعتبر من المساجد القديمة ومزار لأهل كركوك وخاصة الفتيات
غير المتزوجات، حيث يقمن بزيارته بهدف تحقيق مرادهن بالزواج، وهو اعتقاد متوارث
بالفطرة، عبر التبرك والدعاء في المسجد، وخاصة أيام السبت من كل أسبوع وفي
الأعياد".
ويتابع أن "اليهود كانوا في كركوك يتطبعون
في المحيط الذي يعيشون فيه، فارتدوا الزي الكوردي في المناطق الكوردية، والزي
التركماني محيط التركمان، وكانو يرتدون في كركوك الصاية والزبون المقلم اللماع
و(الجرواية) وهي غطاء الرأس المصبوغة باللون الازرق"، مبينا أن "الحاخام
الديميري والحاخام موشي والتاجر اليهودي شاؤؤل موشي، كانوا هم الوحيدون الذين يسمح
لهم بالجلوس في (جوت قهوة)، أحد أشهر مقاهي المحافظة ومخصص للتجار وأعيان
المدينة".
ويوضح أن "نفوس اليهود في كركوك في العام
1920، كان نحو 1400 يهودي، وفي عام 1947 كان عدد الرجال 2048 والنساء 1994، ليكون
مجموعهم 4043، حتى تقلص العدد ووصل عام 1954 لخمسة أشخاص فقط".
ويستطرد أن "عدد اليهود في العراق عام
1947، كان نحو 119 ألفا، ومقابرهم في بغداد، تقع في حي الشيخ عمر والحبيبية، وفي
كركوك تقع في القلعة، وقد انتخب في أول مجلس بكركوك اليهودي إسحاق أفرايم".
ملا عابد "اليهودي"
ويسرد الباحث التاريخي، قصة عابد اليهودي، الذي
صار مؤذنا وخطيب، "أذكر قصة الشيخ المرحوم ملا عابد، الذي توفيت والدته
وتركته وحيدا طفلا رضيعا وتكفله المرحوم رضا حسن، جار المتوفية، وتم تعليمه القرآن
الكريم علي يد الشيخ طاهر، وهو أحد الفقهاء الصوفيين"، متابعا "بعد ذلك
دفن ملا عابد، في نفس الجامع الذي حمل أسمه".
واستمراراً لقصة الملا عابد، يبين المتخصص في
شؤون الجالية اليهودية، حسام جودت، لوكالة شفق نيوز، إن "قصة الملا عابد تكاد
تكون واحدة من أغرب قصص يهود كركوك، حيث ولد ملا عابد في مدينة كركوك في محلة
بريادي التي سكنها اليهود من أبوين يهوديين، إسم والده يوسف وتوفيت والدته أثناء
ولادتها، واليهود بطبيعتهم يتشاءمون من الوليد الذي تتوفى والدته عند ولادته،
ويعتبرونه بأنه نذير شؤم، ولم تتقبل اليهوديات الأعتناء به، مما أضطر والده يوسف الى
اللجوء الى النساء المسلمات".
ويشير إلى أن "والده توجه الى إمرأة عجوز
وبدورها قادته الى بيت حسن ساقي وزوجته زبيدة خانم، وقبلت زبيدة خانم الإعتناء
بالطفل وتربيته، وبعد فترة قصيرة توفي والده يوسف ولم يبق له أحد، وقامت العائلة
التي ربته بتسميته باسم عابد عبدالله، وأصبح شابا يافعاً وبدأ يعمل مع من رباهُ في
مهنة الكباب، وكان منذ صغره ورعاً يرتاد المساجد".
ويتابع أن "الملا عابد كان يؤذن في
الجامع، لأن مؤذن الجامع كان لا يحضر كثيرا لأداء الاذان، فكان ملا عابد يعمل
مؤذناً متطوعاً، وخلال هذه الفترة تعرف إلى الشيخ ملا طاهر محمد، وكان الأخير
شيخاً ورعاً وتقياً، وبعد تبني وزارة الأوقاف شؤون المساجد وتخصيص راتب شهري
للمؤذن، عمل ملا عابد مؤذناً في الجامع وتتلمذ على يد الشيخ طاهر، وأصبح من
مريديه، كما تتلمد على يد الشيخ جميل خالصي القادري، وأخذ عنه الطريقة القادرية في
تكية كبيرة (بيوك تكيه)، حتى توفي عام 1992. ودفن في نفس الجامع".
ويزيد: "من أشهر محلات اليهود، هي
التوراة، وآخر محطة لهم هي في القلعة، وكانت لهم أماكن عبادة (كنيس)، ومن أعيادهم
عيد المظلة الزرقاء، وكان يزورون مسجد النبي دانيال في يوم السبت، وكان إمام
الجامع يخلي لهم المسجد في كل سبت، إذ كان المسجد معبدا لهم قبل أن يتحول إلى
كنيسة، وفي الفتح الإسلامي تحول إلى مسجد".
ويشير إلى أن "اليهود كانوا يهتمون
بالتعليم واقاموا مدرسة يهودية قرب جامع ملا عابد، ما زالت آثارها موجودة حتى
الآن، ومدرسة في القلعة، ومن الغرائب انهم يقومون بتكليف حراس لمناطق سكنهم لحماية
دورهم في بريادي والقلعة".
تأهيل قلعة كركوك
وفي ما يخص تأهيل قلعة كركوك، والأبنية
التراثية فيها، يقول مدير آثار كركوك رائد عگلة، لوكالة شفق نيوز، إن "قلعة
كركوك تعد معلما تاريخيا مهما للمدينة، وهناك ضرورة لتطويرها وفق المعايير الدولية
التي تتطابق مع قوانين وشروط منظمة اليونيسكو، بعد إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي
التمهيدي، لتكون واحدة من معالم العراق التاريخية المهمة وواجهة سياحية".
ويضيف أن "الخطة الجديدة التي وضعت من قبل
وزارة الثقافة، هي إعادة صيانة القلعة وتم رصد مبلغاً يصل الى 30 مليار دينار
عراقي لإعادة تأهيلها، وستكون على شكل دفعات تصرف من قبل لجنة تابعة لوزارة الثقافة
ستحدد طبيعة عمليات الصيانة".