طُبقت بنجاح في العراق.. هل تتخلى واشنطن عن عقيدة "مكافحة التمرد"؟

طُبقت بنجاح في العراق.. هل تتخلى واشنطن عن عقيدة "مكافحة التمرد"؟
2021-06-03T17:00:55+00:00

شفق نيوز/ اعتبرت مجلة "فورين آفيرز" الاميركية ان "الحروب الابدية" التي تحدثت عنها الادارات الاميركية، قابلة للنهاية، لكن القتال ضد الارهابيين، سيستمر، مذكرة بان عقيدة مكافحة التمرد التي نشأت في الخمسينيات من القرن الماضي، طبقت في العراق ايضا. 

وذكر تقرير المجلة الاميركية انه في العام 2006 عندما كانت الحرب الاميركية في العراق في ادنى مستوياتها، اعاد الجيش الاميركي اكتشاف مكافحة التمرد  COIN، موضحا ان هذه العقيدة التي طورها المفكرون العسكريون في الخمسينيات من القرن الماضي، مثل الجنرال البريطاني جيرالد تمبلر في مالايا والعميل الاميركي ادوارد لانسديل في الفليبين، والتي تعتبر ان الجيش لا يمكنه الحاق الهزيمة بالتمرد بمجرد قتل المتمردين. 

واعتبرت المجلة وفقا لهذه العقيدة فانه من خلال القتل العشوائي قد يخلق المرء اعداء اكثر ممن يقضي عليهم، وان الطريق نحو تحقيق الانتصار، وفقا لعقيدة مكافحة التمرد هذه، تتمثل في توفير الامن والخدمات الاساسية للناس العاديين، موضحا ان من شأن ذلك المساعدة في مكافحة التمرد من خلال كسب ثقة الناس، وهو ما يعزز احتمال توفير المعلومات الاستخباراتية الحيوية اللازمة لقتل المتمردين المتشددين او القبض عليهم من دون الاضرار بالمدنيين الابرياء.

وذكر التقرير ان جنرالين هما ديفيد بترايوس من الجيش الاميركي،  وجيمس ماتيس من سلاح مشاة البحرية الاميركية، قاما باعداد دليل ميداني أساسي، نشر في ديسمبر/كانون الاول 2006 ، ساهم في تعميم هذا التفكير حول مكافحة التمرد. وفي السنوات التي تلت ذلك، طبق بترايوس عقيدة مكافحة التمرد كقائد للقوات في العراق، وانتهت "زيادة" القوات التي اشرف عليها، بالحد من العنف هناك باكثر من 90%. 

وتابع انه على الرغم من ان القوات الاميركية لم تتمكن من تسوية التوترات العرقية والطائفية الكامنة او تحويل العراق الى بلد ديمقراطي نموذجي، الا ان النجاح قصير المدى لزيادة القوات، ادى الى تعزيز افكار عقيدة مكافحة التمرد في داخل مؤسسة الامن القومي الاميركي.

واشار الى ان بترايوس تولى ايضا قيادة القوات الاميركية والدولية في افغانستان في 2010-2011، حيث اشرف على عملية ثانية لزيادة القوات، لكنها لم تسفر عن نتائج دراماتيكية مثلما جرى في العراق، على الرغم من ان بترايوس تلقى تحذيرات قبل توليه منصبه بأن افغانستان "تمثل مشكلة اكثر صعوبة" بشكل كبير. 

وبعد عقدين على التدخل العسكري الاميركي، قرر الرئيس جو بايدن سحب القوات المتبقية البالغ عددها 3500 جندي بالرغم من عدم احراز تقدم في محادثات السلام بين الحكومة الافغانية وحركة طالبان التي تبدو اقوى من اي وقت مضى وهي مستعدة لتحقيق مكاسب كبيرة على الارض، فيما حذرت الاستخبارات الاميركية من ان افغانستان باكملها قد تقع تحت سيطرة طالبان في غضون عامين الى ثلاثة اعوام بعد رحيل القوات الدولية. 

واعتبر التقرير انه "اذا حدث ذلك، فانه سيكون اكثر هزيمة عسكرية مذلة للولايات المتحدة منذ حرب فيتنام حيث انتصر العدو أيضا بعد انسحاب القوات الاميركية". 

واوضح التقرير ان استراتيجية خروج بايدن من افغانستان تستند الى الحاجة للتركيز على اولويات اخرى، لا سيما ادارة المنافسة بين واشنطن والصين وروسيا، فيما بدل سلاح مشاة البحرية الاميركي توجهاته فعليا للتركيز على الجزر في المحيط الهادئ، وهي مهمة بعيدة كل البعد عن عمليات مكافحة التمرد التي نفذتها قوات المارينز في محافظة الانبار العراقية واقليم هلمند الافغاني. 

ولفت التقرير الى انه "بعد مرور 20 سنة على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ايلول، يقترب عصر مكافحة التمرد من نهايته، وتفقد عقيدة مكافحة التمرد تأثيرها في دوائر الامن القومي بسرعة". 

وحذر التقرير من انه "سيكون خطأ فادحا تخفيض أهمية عقيدة مكافحة التمرد"، مضيفا انه "لا توجد استراتيجية ملائمة أكثر لمواجهة الارهابيين والمقاتلين، وان الولايات المتحدة اذا نسيت مبادئ مكافحة التمرد، مثلما فعلت بعد حرب فيتنام، فسوف تدفع ثمنا رهيبا في ميادين الحروب المستقبلية". 

وذكر التقرير بان عقيدة مكافحة التمرد نجحت بالفعل في افغانستان عندما التزمت الولايات المتحدة بقوات كافية لتنفيذها مثلما كان يحدث في هلمند وقندهار عامي 2011-2012. لكن طالبان انتظرت، انتهاء الهجمة الاميركية لتعيد توسعها في المناطق. 

واضاف التقرير ان الخطط الاميركية لتعزيز الخدمات العامة في المناطق التي تم تطهيرها من طالبان، لم تكتمل في تحقيق اهدافها، مشيرا الى ان الدولة الافغانية ما زالت حافلة بالفساد والانقسامات والافتقار الى الكفاءة. كما ان تمتع طالبان بملاذات آمنة في باكستان، ساهم ايضا في عدم استمرار نجاح سياسة مكافحة التمرد، وهي ميزة كانت متوفرة للمجاهدين الافغان عندما كانوا يقاتلون ضد الجيش الاحمر السوفياتي خلال الثمانينيات، وبرهنت على اهميتها ذاتها الان. 

الا ان التقرير اعتبر ان الفشل في افغانستان قابله نجاحات في اماكن اخرى حول العالم. فقد حققت القوات الاسرائيلية مكاسب ملحوظة ضد المسلحين الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية من العام 2000 الى العام 2005 ، وحققت اجهزة الامن الكولومبية مكاسب ايضا بعدما قاتلت متمردي القوات المسلحة الثورية لكولومبيا لاكثر من 50 عاما حتى ابرام اتفاق السلام العام 2016. 

وفي الحالتين، قال التقرير ان القوات الحكومية وفرت الامن الدائم للمدنيين بدلا من مجرد محاولة القضاء على المتمردين الافراد او قادتهم. وتابع ان الحملة الكولومبية كانت هي الاكثر نجاحا لان الحكومة كانت قادرة على بسط سلطتها على المناطق التي كان يسيطر عليها المتمردون في السابق، بينما يفتقر الاسرائيليون الى الشرعية لحكم المناطق الفلسطينية وعليهم اسناد المهمة الى السلطة الفلسطينية التي تشبه الحكومة الافغانية في عيوبها. 

العراق 

وذكر التقرير ان الولايات المتحدة نجحت في مكافحة التمرد مع الحملة الاخيرة ضد تنظيم داعش والتي بدأت في العام 2014 وبلغت ذروتها بانهيار "الخلافة" في عام 2019. واضاف ان "الخطأ الاحمق" الذي ارتكبه تنظيم داعش تمثل في خوضه الحرب كأنه "جيش" اكثر من كونه قوة حرب عصابات. 

واشار الى ان العملية الاميركية ضد داعش اختلفت بشكل واضح عن غزو افغانستان والعراق اللتين نفذت القوات الاميركية فيهما عمليات برية بنفسها. لكن في الحرب ضد داعش، قرر باراك اوباما ، بعد سحب القوات الاميركية  بشكل غير حكيم من العراق في العام 2011، بان يحصر دور القوة الاميركية ضد داعش بتقديم النصح والمساعدة في العام 2014. 

ولفت الى ان حجم القوات الاميركية في العراق وسوريا لم يتجاوز 8 الاف تقريبًا (6 الاف في العراق والفان في سوريا)، وقوة محدودة من الوحدات الخاصة. ولم تكن القوات الاميركية تشتبك  بشكل عام مباشرة مع العدو، بينما تحملت قوات الامن العراقية والمقاتلين الكورد في سوريا وطأة القتال، وزودتهم القوات الاميركية بالمعلومات الاستخبارية والدعم الجوي واللوجستيات.

وحول العراق، يخلص التقرير ان "الحملة المناهضة لداعش تمثل نموذجا مستداما ومتكررا للعمليات الاميركية المستقبلية ضد الارهابيين والمقاتلين من خلال مساعدة الحلفاء في تنفيذ عمليات مكافحة التمرد عبر عمليات انتشار صغيرة فقط للمستشارين والقوات الجوية الاميركية". 

واعتبر التقرير ان واشنطن انتهت من فكرة قيامها بعمليات ضخمة لمكافحة التمرد التي يقوم بها عشرات الالاف او مئات الالاف من الجنود، مضيفا انه لا توجد ارادة سياسية لاستمرار مثل هذه العمليات. 

لكن التقرير لفت الى ان هذا "لا يعني ان صناع السياسة بامكانهم تجاهل التهديدات الارهابية تماما او القضاء عليها من خلال الضربات الجوية وغارات العمليات الخاصة وحدها". 

ومن بين الخلاصات التي وصل اليها التقرير الاميركي، ان مكافحة الارهاب مختلفة عن مكافحة التمرد: فالاولى تشتمل على استهداف افراد وجماعات محددة ، بينما تؤكد الثانية على تأمين السكان. واشار الى ان اسرائيل اكتشفت خلال المعارك ضد حماس وحزب الله، ان عمليات مكافحة الارهاب يمكن ان تعرقل الجماعات الارهابية، لكنها لا تستطيع الحاق الهزيمة بها، فطالما ان الارهابيين يعملون من الاراضي الخاضعة لسيطرتهم، فيمكنهم دائما تجديد قواتهم التي خسروها في الضربات الجوية او غارات القوات الخاصة. 

حدود مكافحة الارهاب 

اما الولايات المتحدة فقد اكتشفت بنفسها حدود مكافحة الارهاب في حربها التي لا تنتهي ضد القاعدة والجماعات الارهابية الاسلامية الاخرى، فأسامة بن لادن كان قادرا على تنفيذ هجمات 11 سبتمبر/ايلول برغم ضربات صواريخ كروز الاميركية العام 1998 على منشآت القاعدة في افغانستان. ويتابع التقرير انه برغم الهجوم الاميركي الذي استمر عشرين عاما، فان تنظيم القاعدة ما زال على قيد الحياة، ليس في باكستان وحدها وانما ايضا في شمال افريقيا والصومال واليمن واماكن اخرى. كما لا يزال لدى تنظيم داعش المنشق اصلا عن القاعدة ، الالاف من المقاتلين والفروع في اماكن متباينة مثل افغانستان وموزمبيق ونيجيريا. وبحسب المحلل السياسي بروس هوفمان فانه يوجد اليوم "على الاقل اربعة اضعاف عدد التنظيمات الارهابية السلفية الجهادية مقارنة بما كان عليه يوم 11 سبتمبر". 

وفي حين ان الانسحاب الاميركي من افغانستان سيخلق حتما مساحات شاسعة غير خاضعة لسلطة، ما قد يؤدي ايضا الى زيادة قوة كل من القاعدة وداعش، فإن عمليات مكافحة الارهاب ضرورية ولكنها غير كافية للتعامل مع التهديد الذي تشكله الجماعات الجهادية او المنظمات المتطرفة. 

وبحسب ما جرى مع بترايوس في العراق، فانه الى جانب تطهير معاقل المتمردين، كانت هناك حاجة ايضا الى تأمينها من خلال وجود دائم للقوات ودعم الحكم جنبا الى جنب مع حملة للتواصل واقامة العلاقات مع السنة المتمردين. وذكر التقرير ان الحكومات تحتاج اليوم الى حملات مماثلة في البلدان التي ينشط فيها العنف الاسلامي والجماعات المتمردة الاخرى، وهو ما لا يمكن تنفيذه بشكل حصري او حتى بشكل رئيسي من قبل القوات الاميركية، وانما تحتاج الولايات المتحدة الى التركيز على مساعدة الجيوش والحكومات الحليفة في التعامل مع التهديدات نفسها.

واوضح التقرير ان هذه هي مهمة الفرق المدنية والعسكرية المكونة من مستشارين عسكريين الى جانب ممثلين من وكالات مدنية مثل وكالة المخابرات المركزية ووزارة الخارجية ووزارة الزراعة والوكالة الاميركية للتنمية الدولية. 

وختم بالقول انه على الرغم من ان مكافحة التمرد لن تكون مركزية للعمليات العسكرية الاميركية خلال العقدين المقبلين مثلما كانت في العقدين الماضيين، الا انها عقيدة ذات قيمة دائمة ولا تزال بحاجة الى تعليمها وتطبيقها. وتابع انه "لا توجد طريقة اخرى للقضاء على الملاذات الامنة للارهابيين ما لم يكن الجيش مستعدا لتطبيق عمليات الارض المحروقة (كما فعلت روسيا في الشيشان) والتي ستكون بحق لعنة على الديمقراطيات مثل الولايات المتحدة".

Shafaq Live
Shafaq Live
Radio radio icon