يمثل الحديث عن غياب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن المشهد السياسي إثر هزيمة انتخابية وفقدانه للقدرة على تشكيل أغلبية ائتلافية (61 مقعداً في الكنيست) نقطة تحول كبرى، لا تقتصر تداعياتها على المشهد الداخلي الحزبي الإسرائيلي فحسب، بل تمتد لتُحدث زلزالاً جيوسياسياً مُركّباً يعيد رسم خريطة التوازنات ومنظومة العلاقات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط.
أولاً: المستقبل القانوني والداخلي لنتنياهو (هل هي سياسية أم جنائية؟)
إن اتهامات الفساد الموجهة لنتنياهو ليست وليدة الحرب أو الخلافات الإقليمية الأخيرة، بل تعود تحقيقاتها الرسمية إلى عام 2016. وتستند النيابة العامة والمحاكم الإسرائيلية في لائحة الاتهام الموجهة ضده إلى ثلاثة ملفات رئيسية مدعومة بأدلة ملموسة:
الملف 1000 (الاحتيال وخيانة الأمانة): المتعلق بتلقي هدايا ومزايا مالية ضخمة بمئات الآلاف من الدولارات من رجال أعمال مقابل تسهيلات ضريبية وإدارية، مدعوماً بفواتير وشهادات طاقم الخدم.
الملف 2000 (الاحتيال وخيانة الأمانة): المرتبط بالتفاوض على صفقة تغطية إعلامية إيجابية مع ناشر صحيفة "يديعوت أحرونوت" أرنون موزيس، وموثّق بتسجيلات صوتية صريحة.
الملف 4000 (الرشوة الأخطرة): الخاص بمنح امتيازات تنظيمية لشركة "بيزك" مقابل السيطرة على موقع "والا" الإخباري، والمدعوم برسائل نصية وشهادات "شهود ملك" من مقربين سابقين (مثل نير حيفتس وشلومو فيلبر).
في المقابل، يصر نتنياهو وأنصاره على أنها "ملاحقة سياسية" تقودها النيابة والإعلام لإسقاطه. وبغض النظر عن الانقسام، فإن خسارته السلطة تعني سقط الحصانة واستمرار المحاكمة دون دروع سياسية، إلى جانب زيادة تعقيد وضعه القانوني أمام مذكرات المحكمة الجنائية الدولية، وتفتح باب الصراع الداخلي لتغيير القيادة داخل حزب "الليكود".
ثانياً: معضلة تشكيل الحكومات والانسداد السياسي
في حال هزيمة الائتلاف الحالي، سينتقل التكليف إلى معسكر المعارضة الذي يضم شخصيات بارزة (مثل غادي آيزنكوت، يائير لبيد، ونفتالي بينيت):
إمكانية التشكيل: المعارضة قادرة عددي وسياسياً على جمع الأغلبية عبر تحالفات عابرة للأيديولوجيات (يمين براغماتي، وسط، ويسار) أو بدعم من أحزاب أخرى.
عقبات الاستقرار:
الصراع على القيادة: المنافسة المحتدمة بين بينيت ولبيد وآيزنكوت على رئاسة الوزراء تفرض الاعتماد على صيغ "الرئاسة بالتناوب"، وهي صيغة هشة بطبيعتها.
الفجوة الأيديولوجية: التباين العميق بين اليمين والوسط حول إدارة الصراع في غزة والضفة الغربية.
أزمة تجنيد "الحريديم": الإصرار العلماني والوسطي على فرض التجنيد الإجباري على المتدينين يمنع اندماج الأحزاب الدينية في الائتلاف، مما يهدد باستمرار خطر الانسداد السياسي وإعادة الانتخابات.
ثالثاً: حقيقة التغيير تجاه القضية الفلسطينية وحل الدولتين
تتزايد اليوم الضغوط الدولية المكثفة - بمشاركة دول أوروبية وازنة، والصين، وروسيا، وحتى أطراف داخل الولايات المتحدة - لفرض مسار الاعتراف بالدولة الفلسطينية، حيث ارتفع عدد الدول المعترفة بها لأكثر من 155 دولة.
قاعدة أساسية: رحيل نتنياهو يعبر عن تغيير في أسلوب وإدارة الصراع وليس تحولاً جذرياً في الإجماع السياسي الإسرائيلي.
موقف البدلاء: يرفض أغلب قادة المعارضة (بمن فيهم بينيت وآيزنكوت) قيام دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة بدعوى المخاوف الأمنية.
عقبات التطبيق: يظل التطبيق الميداني يصطدم بعقبات صلبة تتمثل في الرفض السياسي داخل الكنيست، وعقبة الفيتو الأمريكي المتوقع في مجلس الأمن ضد العضوية الكاملة، إضافة للتغير الجغرافي بالاستيطان والانقسام الفلسطيني الداخلي.
رابعاً: التحولات الإقليمية والعلاقة مع تركيا
ترميم العلاقات مع واشنطن: سيزول الاحتقان والصدام الشخصي اليومي مع الإدارة الأمريكية، ليحل محله تنسيق مؤسسي وعسكري أعمق خلف الكواليس.
الاتفاقيات الإبراهيمية: شرط الدول العربية الكبرى (وعلى رأسها السعودية) القاضي بـ "إيجاد مسار حقيقي نحو الدولة الفلسطينية" يظل موقفاً ثابتاً. لكن غياب اليمين المتطرف سيمنح مرونة دبلوماسية أكبر للتفاوض حول خطوات انتقالية ملموسة.
العلاقة مع تركيا: سيهدأ السجال والخطاب الإعلامي الحاد بين أنقرة وتل أبيب، لكن أسباب الخلاف الاستراتيجية ستظل قائمة، وتتضمن:
التنافس على نفوذ وحقول غاز شرق المتوسط بين منتدى الغاز واستراتيجية "الوطن الأزرق" والاتفاقية البحرية التركية الليبية.
النفوذ والتواجد التركي الفاعل في ليبيا وسوريا وقطر.
خامساً: الحرب على إيران وصعود "حلف مكة الدفاعي"
الموقف من إيران: التعامل مع الملف النووي الإيراني وأذرعها الإقليمية هو عقيدة أمنية إسرائيلية عابرة للأحزاب وتتبناها المؤسسة العسكرية (الجيش والموساد). رحيل نتنياهو يغير التكتيك الإعلامي فقط نحو عمليات استخباراتية هادئة بالتنسيق مع واشنطن بدلاً من الاستعراض العلني.
بروز "حلف مكة الدفاعي": يأتي التطور الجيوسياسي الأبرز في الإقليم عبر توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية، تركيا، وباكستان.
تكامل عناصر القوة: يجمع التكتل بين الثقل المالي والدبلوماسي السعودي، الصناعات الدفاعية والمسيرات التركية المتقدمة، والردع النووي والقدرات البشرية الباكستانية الضخمة.
إعادة التوازن: هذا الحلف الدفاعي الثلاثي يخلق معادلة ردع إقليمية تمنع أي طرف من الاستفراد بملفات المنطقة، ويفرض على أي حكومة إسرائيلية قادمة إعادة حساباتها الأمنية في شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي.