في كل شهر أيلول تبدأ في إقليم كوردستان دورة جديدة من الدورات الخاصة بالكوادر التربوية والتعليمية. قاعات تدريب ومحاضرات ومناهج وطرائق تدريس وتوجيهات وشعارات جميلة عن تطوير العملية التربوية ورفع قدرات المعلمين والمدرسين.
ولا أحد يستطيع أن ينكر أهمية ذلك.
فالمعلم الذي لا يتعلم باستمرار لا يستطيع أن يعلّم جيلاً يعيش في عالم يتغير بسرعة. والمناهج الحديثة والتكنولوجيا وطرائق التعليم الجديدة، كلها تحتاج إلى كادر يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على مواكبة العصر.
لكن…
هناك سؤال لا ينبغي أن نخاف من طرحه، هل يكفي أن نطوّر عقل المعلم بينما نترك حياته تنهار؟
او، هل حقاً سيطوّر عقل المعلم وهو يرى امام أعينه حياته تنهار؟
أيها الذين ترون انفسكم مسؤولون عن العملية…
قبل أن تقولوا للمعلم طوّر قدراتك، اسألوه هل تستطيع أن تعيش بكرامة؟
قبل أن تطلبوا منه أن يعلّم أبناءنا التفكير والإبداع، اسألوه عن القلق الذي يحمله إلى بيته.
وقبل أن تطلبوا منه أن يكون أكثر إنتاجاً داخل الصف، اسألوه عن الراتب وعن الأسعار وعن الكهرباء وعن العلاج وعن مستقبل أبنائه وعن الديون التي أصبحت جزءاً من حياته اليومية.
المعلم اليوم لا يعيش أزمة مالية فقط. وأنتم مطلعون على ذلك جيداً.
إنها أزمة مالية وخدمية ونفسية واجتماعية، وبعض آثارها لم تعد تقف عند باب المدرسة بل تسللت إلى داخل البيت، وإلى العلاقة بين الزوجين وإلى تربية الأبناء وإلى نظرة المعلم إلى مستقبله ومهنته.
وهنا تبدأ المأساة.
لأن المعلم الذي كان ينبغي أن يكون أحد أعمدة الطبقة الوسطى في المجتمع، بدأ يشعر أنه ينحدر منها بدل أن يقودها.
والطبقة الوسطى حين تضعف يضعف معها التعليم والثقافة والاستقرار الاجتماعي.
فكيف نريد من المعلم أن يصنع مستقبلاً أفضل لأبنائنا، بينما هو نفسه لا يستطيع أن يرى مستقبله بوضوح؟
المعلم ليس الحلقة الوحيدة.
لكن الحديث عن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند المعلم.
فهناك حلقة أخرى لا تقل أهمية، الإدارة المدرسية والمشرفون والمختصون الذين يتابعون أداء المعلم داخل الصف.
وهنا ايضاً يجب أن نكون صريحين.
لا يمكن أن نطلب من المعلم أن يكون على مستوى عالٍ من الكفاءة العلمية والمهنية، ثم نضع فوقه ادارياً أو تربوياً شخصاً لا يمتلك المستوى العلمي والتربوي الذي يؤهله لتقييمه وتوجيهه.
من يراقب المعلم يجب أن يكون أكثر تأهيلاً من المهمة التي يراقبها، لا أقل منها.
مدير المدرسة ليس مجرد موظف إداري يدير الغياب والحضور والكتب والمراسلات.
مدير المدرسة في النظام التعليمي الحديث هو قائد تربوي يفهم المناهج ويعرف أساليب التدريس ويستطيع قراءة نتائج الطلاب، ويحلل المشكلات التعليمية ويدعم المعلمين ويخلق بيئة مدرسية تساعد على التعلم.
وكذلك المشرف التربوي او المدرب التربوي الذي يدخل الصف لمتابعة المعلم لا ينبغي أن يكون دوره البحث عن خطأ أو تسجيل ملاحظة أو جمع تقرير.
المشرف والمدرب الحقيقي هو شريك في تطوير المعلم.
يدخل الصف بعين الخبير لا بعين المفتش.
يرى نقاط القوة قبل نقاط الضعف، ويشخّص الخلل ويقترح الحل ويتابع تطبيقه، ثم يعود ليرى هل حدث التطور أم لا.
أما أن تتحول المتابعة الصفية إلى إجراء روتيني وإلى درجات وتوقيعات وتقارير، فإننا نكون قد حافظنا على الشكل وأضعنا جوهر العملية التربوية.
ومن يقيّم من؟
وهنا سؤال ربما يكون حساساً لكنه ضروري.
ما المستوى العلمي المطلوب لمن يقيّم المعلم؟
إذا كان المعلم يحمل شهادة جامعية وتخصصاً أكاديمياً، ويخضع للتدريب المستمر فمن الطبيعي أن يكون المدير والمشرف والمقيّم والمدرب مؤهلين علمياً وتربوياً بما يتناسب مع حجم المسؤولية التي يتحملونها.
لا ينبغي أن تكون مهمة الإشراف مكافأة إدارية أو منصباً مبنياً على الأقدمية وحدها أو على العلاقات.
الخبرة مهمة لكنها وحدها لا تكفي.
نحتاج إلى الجمع بين التخصص العلمي والتأهيل التربوي والخبرة العملية والقدرة على التقييم والمهارات القيادية والمعرفة بالمناهج الحديثة، والاهم من هذا وذاك القدرة على استخدام البيانات والتكنولوجيا.
لأن من لا يواكب التطور لا يستطيع أن يقود التطور.
ومن لا يعرف طرائق التعليم الحديثة كيف سيحكم على تطبيق المعلم لها؟
ومن لا يعرف كيف يقيس تعلم الطالب كيف سيقيس نجاح المعلم؟
ومن لا يملك ثقافة الحوار التربوي، كيف سيطور معلماً قد يكون أكثر تخصصاً منه؟
وهنا يجب أن تنتقل المؤسسات التعليمية من مفهوم «التفتيش» إلى مفهوم «التطوير».
فالغاية من متابعة المعلم ليست إثبات أنه أخطأ وإنما مساعدته على ألا يكرر الخطأ.
وليست الغاية أن يخاف المعلم من زيارة المشرف، بل أن ينتظرها ليستفيد منها.
المشرف والمدرب الذي يخاف منه المعلم قد ينجح في تسجيل الملاحظات، لكنه قد يفشل في تطوير التعليم.
لا يكفي تغيير الكتاب!!!
قد تقول الحكومة لدينا دورات تدريبية.
نقول نعم وهذا جيد.
قد تقول لدينا مناهج جديدة.
نقول هذا أفضل.
قد تقول نعمل على إدخال التكنولوجيا وتطوير أساليب التعليم.
نقول هذا مطلوب.
لكننا نسأل:
أين المعلم؟ وأين مدير المدرسة؟ وأين المشرف التربوي واين المدرب التربوي داخل هذه المنظومة؟
الدورة التدريبية لا ينبغي أن تكون صورة جماعية وشهادة حضور ثم ينتهي كل شيء.
الدورة بداية والمتابعة هي الامتحان الحقيقي لنجاحها.
إذا تعلم المعلم طريقة تدريس جديدة في أيلول، فيجب أن نراه يطبقها داخل الصف في تشرين الأول.
وإذا ظهرت لديه صعوبة، يجب أن يجد مشرفاً او مدرباً يساعده.
وإذا نجح، يجب أن تنتقل تجربته إلى زملائه.
وهكذا تتحول الدورة من ساعات تدريبية إلى تغيير حقيقي في الممارسة التعليمية.
وهذا هو معنى التطوير المهني المستمر.
ليس أن يتلقى المعلم المعلومات مرة واحدة، بل أن يدخل في دورة مستمرة من:-
التدريب ← التطبيق ← المتابعة ← التقييم ← التصحيح ← التطوير.
وهذا لا يحدث في غياب الحقوق والحوافز والامتيازات.
والإدارة التي لا تتطور تعيق المعلم.
وقد يكون من الظلم أحياناً أن نحاسب المعلم وحده على تراجع التعليم.
فإذا كان مدير المدرسة لا يملك أدوات القيادة التربوية، والمشرف لا يملك المعرفة الكافية، والمدرب يجهل حقيقة ما يعطي والمنهج لا يناسب الواقع، والمدرسة تفتقر إلى الوسائل، والحكومة تتجاهل حقوق المعلم والطالب يعيش ظروفاً صعبة، ثم نحمّل المعلم وحده مسؤولية كل شيء، فنحن لا نعالج المشكلة بل نبحث عن كبش فداء.
التعليم منظومة.
وإذا تعطلت حلقة واحدة تأثرت الحلقات الأخرى.
لذلك يجب أن تلتزم الحكومة بواجباتها وأن يخضع مديرو المدارس والمشرفون والمدربون التربويون أنفسهم إلى زانستخوازیا بەردەوام – التعليم والتطوير المستمر وليس المعلم وحده.
بل ربما يكون احتياج القيادات التربوية إلى التطوير أكبر، لأن خطأ المعلم قد يؤثر في صف أما خطأ المدير أو المشرف والمدرب فقد يؤثر في عشرات المعلمين ومئات الطلاب.
من المدرسة تبدأ الدولة
الدولة الحديثة لا تُبنى فقط في البرلمان والوزارات.
إنها تبدأ من الصف.
وفي الصف يقف المعلم.
وخلف المعلم يقف المدير والمشرف والمدرب.
وفوق الجميع تقف وزارة تضع السياسة والاستراتيجية وتوفر الموارد وتضمن الحقوق وتحاسب على النتائج.
لذلك فإن إصلاح التعليم في إقليم كوردستان يحتاج إلى منظومة متكاملة.
معلم محترم ومطمئن على حياته، مدير تربوي مؤهل، مشرف متخصص وكفوء، مدرب ملم بكل ما يقدم، منهج عصري، مدرسة مجهزة، إدارة تعتمد على الكفاءة، وسياسة تعليمية مستقرة وطويلة المدى.
إذا توفر الجميع وغاب واحداً ستبقى المنظومة ناقصة.
وإذا كان المعلم متعباً، والمدير غير مؤهل والمشرف لا يواكب التطور والمدرب يجهل أسس وقواعد ما يقدم فلن تنقذنا كثرة الدورات ولا كثرة التعليمات.
أيلول يجب ألا يكون موسماً للدورات فقط.
لذلك حين يبدأ شهر أيلول وتفتح قاعات التدريب أبوابها علينا ألا نسأل فقط كم معلماً دخل الدورة؟
بل نسأل ماذا تعلم؟ ماذا طبق؟ من تابعه؟ كيف تم تقييمه؟ ماذا تغير في الصف؟ وهل تحسن مستوى الطالب؟
وفي النهاية نضع سؤلاً كجواب لكل الاسئلة السابقة ويبدأ بـ (لماذا؟) وثم نبدأ بالعلاج، والعلاج في قمة الهرم!!!
فهل من علاج؟؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تقيس نجاح العملية.
فالتعليم لا يتطور بعدد الدورات ولا بعدد الشهادات التي توزع على المشاركين.
التعليم يتطور عندما يتغير ما يحدث داخل الصف.
وحين يتغير ما يحدث داخل الصف نعرف أن التدريب نجح.
أما إذا بقيت السبورة كما هي وطريقة الشرح كما هي، وعلاقة المعلم بالطالب كما هي وطريقة التقييم كما هي، فماذا تغير؟
واخيراً… لا تطلبوا من المعلم المستحيل.
أيها المسؤولون…
لا نريد منكم أن تتوقفوا عن إقامة الدورات.
بل نريدها أكثر جدية.
ولا نريد إلغاء المناهج الجديدة.
بل نريد أن تواكبها عملية إعداد حقيقية للمعلمين.
ولا نريد إضعاف دور المدير والمشرف والمدرب.
بل نريد رفع مستواهم العلمي والمهني، واختيارهم على أساس الكفاءة لا الانتماءات الحزبية وتدريبهم هم أيضاً بصورة مستمرة.
وفوق ذلك كله، نريد أن نعيد للمعلم كرامته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
لأن المعلم ليس مجرد أداة لتنفيذ سياسة تعليمية.
إنه الإنسان الذي نحمله مسؤولية صناعة الإنسان.
فكيف نطلب منه أن يصنع جيلاً واثقاً ونحن لا نمنحه الثقة؟
كيف نطلب منه أن يزرع الأمل ونحن نتركه يعيش القلق؟
كيف نطالبه بالإبداع ونحن نتركه يركض خلف لقمة العيش؟
وكيف نطالبه بتطوير قدراته بينما بعض من يقيّمون قدراته لا يخضعون هم أنفسهم للتطوير المستمر؟
هذه ليست قضية معلم فقط.
إنها قضية حكومة ووزارة ومدير ومشرف ومدرب ومدرسة وأسرة ومجتمع.
وقضية مستقبل إقليم بأكمله.
فإذا أردنا تعليماً يليق بكوردستان فعلينا ألا نكتفي بتطوير الكتب والقاعات.
علينا أن نطور الإنسان الذي يحمل الكتاب إلى الطالب.
وأن نختار من يقود المعلم ويراقبه على أساس العلم والكفاءة، لا على أساس الأقدمية والولاء السياسي.
وأن نجعل التعليم المستمر ثقافة لكل الهرم التربوي، من الوزارة إلى المدير، ومن المشرف إلى المدرب ثم إلى المعلم.
وعندها فقط يصبح أيلول بداية حقيقية لعام تربوي جديد، لا مجرد موسم آخر للدورات.
لأن المأساة ليست أن يفشل المعلم في تطوير نفسه…
المأساة أن نطالبه بالتطور بينما البيئة التي تديره و المحيطة به لا تتطور.
والأخطر من ذلك…
أن نطلب من المعلم أن يصنع مستقبل أبنائنا بينما نحن لم نمنحه مستقبلاً يليق به.
إذا هل نحن جادون في هذا الطلب؟؟
ام بالاساس الذي يطلب خائف من مستقبله إذا نجح المعلم؟؟