هل تعلمنا من ثورة الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس؟ وهل تحقق الإصلاح في العراق؟

قبل أكثر من 1345 عاماً، وفي 10 محرم سنة 61 هـ الموافق 10 تشرين الأول/أكتوبر 680م، وقف الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ليكتب أعظم ملحمة في التاريخ الإسلامي. لم يخرج طالباً للسلطة أو المال، بل أعلن هدفه بوضوح قائلاً: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.» لقد كانت ثورته ثورة قيم وعدالة وكرامة، وثورة على الفساد والانحراف واستغلال السلطة.

وكان إلى جانبه أخوه أبو الفضل العباس (عليه السلام)، الذي أصبح رمزاً للوفاء والأمانة والتضحية، فرفض أن يساوم على المبادئ، وضحى بنفسه من أجل الحق والإنسانية. ومنذ ذلك اليوم بقي الحسين والعباس مدرسة خالدة لكل من يسعى إلى بناء دولة العدل والكرامة.

واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاثة عشر قرناً، يحيي العراقيون ذكرى عاشوراء والأربعين بالملايين، وتعد زيارة الأربعين من أكبر التجمعات البشرية في العالم، إذ يشارك فيها سنوياً أكثر من 20 مليون زائر من داخل العراق وخارجه. ويشهد العالم صوراً نادرة من الكرم والتكافل، حيث تقدم آلاف المواكب الطعام والشراب والخدمات مجاناً، ويعمل ملايين المتطوعين بروح الإيثار والمحبة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل انتقلت أخلاق الحسين والعباس إلى مؤسسات الدولة كما انتقلت إلى قلوب الناس؟

لقد عانى العراق لعقود طويلة من الظلم والاستبداد، ولا سيما خلال حكم النظام السابق، حيث تعرضت الشعائر الحسينية للتضييق والمنع، ووصل الأمر إلى ملاحقة الزائرين ومنع الكثير من الطقوس الدينية. وبعد عام 2003 استعاد العراقيون حريتهم في ممارسة شعائرهم، وهو إنجاز مهم، إلا أن الحرية وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بالإصلاح الحقيقي.

فبعد أكثر من 22 عاماً على التغيير، ما زال العراق يواجه تحديات كبيرة تتمثل في الفساد الإداري والمالي، والبطالة، وضعف الخدمات، والمحسوبية، وتأخر إنجاز المشاريع. وتشير مؤشرات الشفافية الدولية إلى أن العراق ما يزال ضمن الدول التي تعاني مستويات مرتفعة من الفساد، وهو ما يؤثر في التنمية ويهدر مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تبني المدارس والمستشفيات والطرق وتوفر فرص العمل للشباب.

إن الإمام الحسين لم يواجه شخصاً بعينه، بل واجه منظومة حكم فقدت العدالة، بينما جسد أبو الفضل العباس معنى الأمانة والوفاء. ولو اقتدى المسؤولون اليوم بالحسين في عدالته، وبالعباس في نزاهته، لما احتاج المواطن إلى واسطة للحصول على حقه، ولما ضاعت أموال الدولة بين الفساد وسوء الإدارة.

إن الإصلاح لا يتحقق بالخطب والشعارات، بل يبدأ عندما يكون المنصب مسؤولية لا امتيازاً، وعندما يكون القانون فوق الجميع، وعندما تقدم الكفاءة على المحاصصة، ويحاسب الفاسد مهما كان موقعه.

لقد أثبت العراقيون في مواكب الإمام الحسين أنهم قادرون على التنظيم والتعاون وخدمة ملايين الزائرين دون مقابل. فإذا استطاع المواطن أن يخدم أخاه بهذه الروح، فلماذا لا تنتقل هذه الروح إلى مؤسسات الدولة؟ ولماذا تبقى الرشوة والمحسوبية والبيروقراطية عائقاً أمام حقوق الناس؟

إن عاشوراء ليست موسماً للبكاء فقط، وإنما مدرسة لبناء الإنسان والدولة. فالحسين أراد إصلاح المجتمع، والعباس أراد أن يعلمنا أن الوفاء للمبدأ أغلى من الحياة. ولذلك فإن أفضل وفاء لهما ليس في إقامة المجالس وحدها، وإنما في محاربة الفساد، وحماية المال العام، وإتقان العمل، واحترام القانون، وإنصاف الفقير، وصيانة كرامة الإنسان.

إن العراق يمتلك ثروات هائلة، وأرضاً مباركة، وشعباً معطاءً، لكنه يحتاج إلى ثورة إصلاح أخلاقية وإدارية تستلهم مبادئ كربلاء. فالأمم لا تنهض بالموارد وحدها، وإنما بالنزاهة والعدالة والإدارة الرشيدة.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل عراقي على نفسه قبل أن يطرحه على الآخرين: هل اكتفينا بإحياء ذكرى الإمام الحسين، أم أننا سرنا على نهجه في الإصلاح؟ وهل اكتفينا بتمجيد أبي الفضل العباس، أم اقتدينا بأمانته ووفائه؟

عندما تصبح قيم الحسين والعباس عليهما السلام، سلوكاً يومياً في الدائرة والجامعة والمدرسة والمحكمة والبرلمان، عندها فقط نستطيع أن نقول إننا تعلمنا الدرس الحقيقي من كربلاء، وأن العراق يسير فعلاً على طريق الإصلاح الذي استشهد من أجله الإمام الحسين وأخوه أبو الفضل العباس (عليهما السلام).