كانت وزارة التربية العراقية قد لجأت إلى إقرار ما يسمى نظام "المحاولات"، بما يسمح لطلبة الصف السادس الإعدادي (الراسبين بدرس أو درسين) للعام الدراسي، بأداء الامتحانات الوزارية في المواد التي رسبوا فيها فقط في السنة التالية، من دون الحاجة لإعادة السنة كاملة بجميع المواد.

كان النظام معمولا به على مستوى التعليم العالي، وقد اثار تطبيقه في التعليم الاعدادي جدلا في الأوساط التربوية العراقية، كونه يمثل نقلة من الصرامة التقليدية إلى مرونة تشبه أنظمة الساعات المعتمدة في بعض الجامعات.

ونظام المحاولات (أو ما يعرف بالتحميل)، هو سلاح ذو حدين، وتطبيقه في المرحلة الإعدادية يختلف جوهريا عن التعليم العالي نظرا لحساسية هذه المرحلة في تحديد المصير الأكاديمي.

من إيجابياته، انه يمنع الطالب من خسارة سنة كاملة من عمره من أجل مادة أو مادتين، مما يقلل من حالات التسرب الدراسي والهدر التربوي، كما انه يخفف الضغط النفسي، اذ ان طالب السادس الإعدادي يعيش تحت ضغط هائل؛ وان فكرة تواجد فرصة ثانية بتركيز محدد تخفف من حدة القلق والتوتر النفسي، و بدلا من تشتيت جهد الطالب في 7 مواد للفرع العلمي مثلا، يصب كامل جهده على نقاط ضعفه (المواد التي رسب فيها)، مما قد يرفع من جودة استيعابه لتلك المواد، كما ان النظام يوفر على العائلات تكاليف سنة دراسية كاملة من دروس خصوصية ومصاريف أخرى.

ومع الإيجابيات، فان سلبيات عدة تنبثق عن اتباع ذلك النظام منها انه، قد يتولد لدى البعض نوع من التراخي، معتمدين على فكرة "سأركز على المواد الصعبة في السنة المقبلة"، مما يضعف روح التحدي والمثابرة، ويرى البعض أن مساواة طالب نجح من الدور الأول بطالب نجح عبر "المحاولات" قد يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، بخاصة في التنافس على كليات المجموعة الطبية والهندسية لاسيما في مجال التعيين؛ كما يشكل نظام المحاولات ضغطا إضافيا على المراكز الامتحانية واللجان الدائمة لإدارة ملفات طلاب ببيانات امتحانية مجزأة.

إن تأثير هذا النظام على مستوى التعليم يعتمد بشكل كبير على آلية التنفيذ، فإذا استغل النظام كـطوق نجاة فقط، فقد يؤدي بمرور الزمن إلى خفض سقف التوقعات من الطالب، أما إذا ترافق مع شروط صارمة (مثل عدم شموله بالامتيازات أو درجات المساعدة)، فسيحافظ على قيمته.

وفيما ينجح الطالب في الجامعة لأنه يكون قد تخصص بالفعل، فإن الإعدادية هي مرحلة تأسيس عام؛ لذا فإن تجزئة هذا التأسيس قد تجعل الطالب يدخل الجامعة وهو ناسٍ للمواد الأخرى التي نجح فيها سابقا.

ان جوهر التعليم ليس فقط في النجاح والرسوب، بل في بناء شخصية قادرة على تحمل المسؤولية وإدارة الوقت، ونظام المحاولات يميل أكثر نحو تيسير النجاح، منه إلى غرس التعلم.

ولإلقاء نظرة على أنظمة مشابهة في دول أخرى ومقارنتها بالعراق، فان الفكرة الأساسية في العراق هي أداء الامتحان في مواد الرسوب فقط (مادة أو مادتين) مع الاحتفاظ بدرجات النجاح السابقة، في مصر يُسمح بالدخول للدور الثاني بنصف الدرجة، أو إعادة السنة كاملة في مواد الرسوب، مادتان للدور الثاني (بدرجة النجاح الصغرى فقط)، في الاردن نظام "رفع المعدل" أو "الإكمال"، اذ يمكن للطالب إعادة أي مادة لرفع معدله أو النجاح وهو مفتوح، يمكن للطالب اختيار مواد محددة لإعادتها.

في العراق، تحتسب الدرجة كاملة التي يحصل عليها الطالب في المحاولة الثانية، في مصر في الدور الثاني تُحتسب 50% فقط من الدرجة، إلا في حالات الأعذار القهرية، في الأردن تُحتسب العلامة الأحدث (أو الأعلى بحسب التعديلات الأخيرة) للطالب.

في العراق، المدة الزمنية هي السنة التالية مباشرة (سنة المحاولة)، في مصر دور ثانٍ في العام نفسه، أو إعادة العام الدراسي للمواد الراسب فيها، اما في الأردن فالمحاولات متاحة في الدورة التكميلية (بعد شهرين) أو في سنوات لاحقة.

وبحسب مختصين، يعد النظام الأردني في "التوجيهي" حاليا الأقرب لروح التعليم الجامعي؛ فهو لا يسمح فقط للراسب بالإعادة، بل يسمح للناجح أيضا بإعادة مواد معينة لرفع معدله للدخول في تنافس الكليات الطبية؛ هذا يقلل من الفزع المرتبط بالامتحان، لكنه يزيد من حدة التنافس على المقاعد الجامعية، ومصر تتبع نظاما يحمي "هيبة" الدور الأول؛ فمن يرسب يدخل الدور الثاني ليحصل على درجة النجاح فقط (نصف الدرجة)، مما يجعل الطلاب يقاتلون للنجاح من المرة الأولى، ويشير المختصون الى ان نظام المحاولات العراقي هنا أرحم بالطالب، لأنه يسمح له بالحصول على الدرجة كاملة في السنة التالية.

وفي حين يميل النظام الأردني نحو تطوير المعدل، والنظام المصري نحو "الحزم"، يركز النظام العراقي حاليا على "العبور التكتيكي" لتقليل نسب الرسوب التراكمي.

ولتحويل نظام "المحاولات" من مجرد وسيلة لتقليل نسب الرسوب إلى أداة تعليمية حقيقية ترفع من جودة المخرج التربوي، يقترح الخبراء مجموعة من التوصيات التي توازن بين مرونة النظام ورصانة التعليم، فيقترحون ألا يُسمح لطالب "المحاولات" بالدخول إلى كليات القمة (الطبية والهندسية) إلا إذا حقق درجة مرتفعة جدا في مادة المحاولة، لضمان أن المقاعد التنافسية تذهب لمن استحقها من الدور الأول.

وبدلا من ترك الطالب في المنزل لسنة كاملة من أجل مادة واحدة، يفضل إلزامه بحضور دروس المادة التي رسب فيها في مدرسته الأصلية، لضمان تواصله الذهني مع الأجواء الدراسية، و توفير منصة تعليمية تفاعلية خاصة لطلاب المحاولات تتضمن اختبارات دورية، لضمان عدم نسيانهم للمادة العلمية خلال سنة الانتظار.

وبدلا من انتظار سنة كاملة، يمكن جعل امتحان المحاولات بعد 4 أو 6 أشهر (دورة شتوية مثلا)، مما يسمح للطالب بالالتحاق بالجامعة في الفصل الدراسي الثاني، وهذا يمنع "الفجوة الزمنية" القاتلة للطموح، كما يجب أن يطبق النظام لمرة واحدة فقط في الحياة الدراسية للطالب، لمنع استغلاله كوسيلة للتلكؤ المستمر.

وينصح المختصون بخضوع طلاب المحاولات لجلسات إرشادية تشرح لهم كيفية استغلال وقت الفراغ الكبير في تطوير مهارات أخرى (كاللغة أو الحاسوب) بجانب دراسة مادة الرسوب، لكيلا تتحول السنة إلى سنة فراغ تؤدي للاكتئاب.

ويرى كثير من الخبراء أن الحل الأمثل للعراق هو تحويل نظام المحاولات إلى نظام تحسين اختياري (كما في الأردن). بمعنى "بدلا من إجبار الطالب على الإعادة لأنه رسب فقط، نفتح الباب للطالب الناجح بمعدل ضعيف أن يعيد مادتين ليرفع معدله، هذا يخلق بيئة تنافسية عادلة ويقضي على ظاهرة تعمد الرسوب لتحسين المعدل في السنة التالية".