"تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" (القصص: 83 )

لا ندّعي لأنفسنا عصمةً من خطأ، ولا ننزّه أرواحنا عن ملاحقة ملذات الدنيا، لكننا كشعب -بمجموع أفراده- لا نطمح لأكثر من العيش بسلام وطمأنينة. 

ومن المثير للسخرية حقاً، أن نرى مشهداً يتصدره بعض المسؤولين وهم يتدثرون بعباءة "الوطنية" الزائفة، بينما تمارس أفعالهم نقيض ذلك تماماً. 

والأدهى من هذا الاختلال، أن ينطلي هذا الزيف على بعض القواعد الجماهيرية، فتراهم يدافعون عن "كذبة" صُدّقت، حتى غدا الفاسد في أعينهم مصلحاً، والمصلحُ غريباً ومنبوذاً.

إن ما يدور اليوم في دهاليز السياسة العراقية لم يعد سراً، بل بات مكشوفاً للقاصي والداني. 

وفي المقابل، يبدو أن القابضين على دفة الحكم قد أعتادوا تجاهل ما يُقال، وكأنهم في معزل عن أنين الشارع، غارقين في امتيازات المنصب ومغرياته التي باتت هي الغاية والوسيلة.

يعيش المجتمع العراقي اليوم حالة من الضبابية والغموض؛ فبث الإشاعات وافتعال الأزمات صار "تكتيكاً" متبعاً لتمرير أجندات مريبة. 

ولا يخفى على ذي بصيرة أن أغلب الهزات التي تعرضت لها البلاد في ظل الحكومات المتعاقبة كانت أفعالاً "ممنهجة"، غايتها تحريك الشارع كأداة ضغط، أو تغليب كفة جهة على أخرى في صراع النفوذ.

لم يأتِ الكثيرون لخدمة الصالح العام، بل جاؤوا رغبةً في غنائم شخصية؛ فتأثرت الساحة ببروز شخوص يُقدّمون أنفسهم كقادة، وهم في جوهرهم "أدوات نفعية" تتحرك وفق مصالح حزبية ضيقة. 

ومنهم من حاول "تقمص" شخصيات غابرة، فقلد ممارسات أنظمة سابقة رغبةً في أن يصبح "قائد زمانه"، في استعراض مكشوف لا يخدع إلا من غُيبت بصيرته أو من ارتضى لنفسه أن يكون تابعاً متملقاً، يقتات على فتات مائدة "السيد المسؤول".

لقد انتقل الوضع في العراق إلى مرحلة "تسليع الدولة"؛ فالمناصب أصبحت بضاعة تُعرض في مزادات المال السياسي. 

فبعد أن كان المسؤول سابقاً يتدثر بثوب الزهد والعفة، مستذكراً ويلات الغربة وأمجاد الماضي، صار اليوم "الكرسي" صفقة استثمارية واضحة المعالم. 

فكم من "حيتان مال" تقلدوا أرفع المناصب؟ وكم من تاجر ولج عالم السياسة ليحقق زواجاً كاثوليكياً بين "الثروة" و"السلطة"؟ والهدف مزدوج: شراء الجاه بالمال، ثم حماية ذلك المال بسطوة الجاه.

لقد توغل الاستثمار في مفاصل الدولة (النيابية والتنفيذية)، بل وحتى الرياضية منها. 

ولا تعجبوا إن رأينا في قادم الأيام هيمنة كاملة لرجال الأعمال والمستثمرين في الجامعات والمستشفيات الأهلية والمصارف على مفاصل القرار، مع جل الاحترام لكثير منهم.

فمباركٌ لهم هذه الأموال، وهنيئاً لهم تلك الكراسي التي "أعزتهم"، وعسى ولعلّ أن يلتفتوا يوماً لهذا الشعب الفقير، فتتحول تلك الخيوط التي نسجوها لمصالحهم؛ إلى خيوط ممدودة نحو الخير والبناء.. ولنا عودة إن شاء الله.