"الوطن الذي يطلب من أبنائه أن يقدموا أرواحهم دفاعاً عنه، ملزم أخلاقياً ودستورياً بأن يحفظ كرامتهم وهم أحياء، ويصون حقوق عائلاتهم إذا استشهدوا."
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، لم يمر عقد من الزمن إلا وكان العراقيون في مواجهة حرب أو تهديد أمني. فمن الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، إلى حرب الخليج عام 1991، ثم سنوات الإرهاب بعد عام 2003، وصولاً إلى معارك التحرير ضد تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017، كان المقاتل العراقي دائماً في الخط الأول، يقدم دمه قبل أن يطلب شيئاً لوطنه.
وفي الثالث عشر من حزيران عام 2014، لبّى مئات الآلاف نداء الدفاع عن العراق، فاستشهد الآلاف وأصيب آلاف آخرون، حتى أعلن العراق النصر على تنظيم داعش في كانون الأول عام 2017. لقد كانت تلك المعركة دفاعاً عن وجود الدولة العراقية نفسها، وعن وحدة أراضيها ومستقبل شعبها.
ولكن بعد أن انتهت المعركة، بدأت معركة أخرى... معركة الحقوق.
معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالمعاملات والكتب الرسمية والروتين والانتظار.
كم من عائلة شهيد ما زالت تنتظر استكمال معاملة أو صرف استحقاق؟ وكم من جريح حرب ما زال يبحث عن علاج أو تأهيل أو فرصة عمل أو سكن كريم؟ وكم من مقاتل أمضى سنوات عمره في الجبهات ثم عاد ليواجه همّ الإيجار وغلاء المعيشة؟
أي مفارقة هذه؟
يذهب الشاب إلى الجبهة وهو يعلم أنه قد لا يعود، لكنه لا يخشى الموت بقدر ما يخشى أن يترك أبناءه بلا معيل، أو أن تضطر زوجته ووالداه إلى طرق أبواب الدوائر سنوات للحصول على حقوق كفلها القانون.
إن هذا السؤال لا يخص عائلة شهيد واحدة، بل يخص هيبة الدولة نفسها.
الدستور العراقي كان واضحاً عندما نص في المادة (30) على أن الدولة تكفل للفرد وللأسرة الضمان الاجتماعي والصحي، وتؤمن مقومات العيش الكريم والسكن المناسب، كما أكدت المادة (29) حماية الأسرة ورعاية أفرادها. وهذه النصوص يجب أن تتحول إلى واقع ملموس، لا أن تبقى مواد قانونية تُقرأ في الكتب.
إن المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في بطء تنفيذها، وتعقيد الإجراءات، وطول مدة إنجاز المعاملات، وهو ما يجعل بعض عائلات الشهداء والجرحى تعيش معاناة إضافية فوق ألم الفقد والإصابة.
وعندما ننظر إلى الدول التي تحترم جنودها، ندرك أن احترام المقاتل ليس شعاراً، بل سياسة دولة.
في الولايات المتحدة توجد وزارة مستقلة للمحاربين القدامى، تقدم الرعاية الصحية، وإعادة التأهيل، وقروض الإسكان، والتعليم الجامعي، والدعم النفسي، وخدمات واسعة للعسكريين وعائلاتهم.
وفي المملكة المتحدة تلتزم الدولة، من خلال ميثاق القوات المسلحة، بضمان ألا يتضرر العسكري أو أسرته بسبب الخدمة، مع توفير الدعم في السكن، والتعليم، والرعاية الصحية، والعمل.
وفي فرنسا توفر الدولة برامج خاصة للمحاربين القدامى، وتعويضات للمصابين، ورعاية مستمرة لعائلاتهم، بينما تمتلك كندا وأستراليا أنظمة متطورة لإعادة تأهيل الجرحى ودمجهم في المجتمع وسوق العمل.
هذه الدول لا تعتبر الإنفاق على المقاتل خسارة، بل استثماراً في أمنها القومي، لأنها تدرك أن الجندي الذي يثق بأن وطنه سيحمي أسرته، سيقاتل وهو أكثر اطمئناناً وثقة.
أما في العراق، فإن المقاتل لا يطلب امتيازات استثنائية، ولا قصوراً، ولا ثروة، بل يطلب أبسط حقوق الإنسان: أن يكون له بيت، وأن يجد العلاج إذا أصيب، وأن يتعلم أبناؤه، وأن تُنجز معاملات عائلته بسرعة إذا استشهد.
فهل هذا كثير على من وضع حياته بين يدي وطنه؟
ومن المؤسف أن يشعر بعض المقاتلين بأن همّ لقمة العيش لا يفارقهم حتى وهم يؤدون واجبهم الوطني. فكيف نبني جيشاً قوياً إذا كان المقاتل يفكر في مستقبل أطفاله أكثر من تفكيره بنفسه؟
إن قوة الجيش لا تُقاس بعدد الدبابات والطائرات، بل بمدى شعور الجندي بأن دولته لن تتخلى عنه.
ولذلك، فإن العراق بحاجة إلى مشروع وطني حقيقي لرعاية المقاتلين، يقوم على:
- تحديد مدة قانونية لا تتجاوز ثلاثين يوماً لإنجاز معاملات ذوي الشهداء والجرحى.
- إنشاء نافذة إلكترونية موحدة لإنهاء جميع الإجراءات دون مراجعات مرهقة.
- توفير السكن للمقاتلين والجرحى وعائلات الشهداء ضمن مشاريع الدولة السكنية.
- ضمان العلاج المجاني داخل العراق وخارجه للمصابين بإصابات الخدمة.
- تخصيص منح دراسية وتعليم مجاني لأبناء الشهداء والجرحى.
- منح الأولوية في التعيين والتدريب لأبناء من ضحوا دفاعاً عن العراق.
- إنشاء صندوق سيادي دائم لرعاية الشهداء والجرحى، يمول بصورة مستقرة بعيداً عن التقلبات المالية.
إن احترام المقاتل لا يكون بخطاب في مناسبة رسمية، ولا بصورة تُرفع على جدار، ولا بكلمات الثناء في الاحتفالات، بل بأن يرى أرملة الشهيد تعيش بكرامة، وأن يجد الجريح العلاج دون انتظار، وأن يدخل ابن الشهيد الجامعة وهو يشعر أن وطنه لم ينس تضحيات والده.
الدولة القوية ليست التي تطلب من أبنائها أن يموتوا من أجلها فقط، بل التي تجعلهم مطمئنين إلى أن أسرهم ستكون في أمان إذا قدموا أرواحهم.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يجيب عنه الجميع:
كيف نطلب من المقاتل أن يفدي الوطن بدمه، إذا كان لا يثق بأن وطنه سيفدي أبناءه بعد رحيله؟
إن العراق انتصر على الإرهاب ببطولة أبنائه، لكنه اليوم أمام معركة لا تقل أهمية، وهي معركة الوفاء. فالانتصار الحقيقي لا يكتمل بتحرير الأرض فقط، بل بتحرير عائلات الشهداء والجرحى من القلق، والروتين، والحرمان.
فالشهيد لا يحتاج بعد رحيله إلى كلمات الرثاء، بل تحتاج عائلته إلى عدالة. والجريح لا يريد التصفيق، بل يريد علاجاً وكرامة. والمقاتل لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يشعر بأن وطنه الذي ضحى من أجله لن يتركه وحيداً.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد من يموتون من أجلها، بل بعدد من تحفظ لهم ولعائلاتهم الكرامة بعد التضحية.