في كل عام، ومع أولى زخات المطر التي تتحول سريعا إلى سيول غزيرة، يقف العراق أمام مشهد يتكرر بلا تغيير .. مياه وفيرة تهطل من السماء، أنهار تمتلئ، ووديان تجري، لكن النتيجة واحدة… ثروة مائية هائلة تضيع سدى.
مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه نعمة، لكنه في واقع ظل إدارة الحكومة الاتحادية يتحول إلى دليل صارخ على خلل عميق في التخطيط، حيث لا تترجم هذه الوفرة إلى خزين استراتيجي ينقذ البلاد في أشهر الصيف القاسية.
فالعراق، الذي يعاني سنويا من شح المياه وارتفاع درجات الحرارة، لم يتمكن حتى الآن من بناء منظومة متكاملة من السدود والبرك المائية القادرة على استيعاب هذه الكميات الكبيرة من الأمطار.
ومع كل موسم مطري، تتكرر ذات الأسئلة لدى الشارع العراقي أين تذهب هذه المياه؟ ولماذا لا تُستثمر؟ ولماذا تبقى البلاد رهينة الأزمات الموسمية رغم وضوح الحلول؟
في المقابل، تقدم تجربة حكومة إقليم كوردستان نموذجا مختلفا في التعاطي مع هذا الملف، حيث وجه مسرور بارزاني بإنشاء عدد من السدود والبرك المائية التي أسهمت في تجميع مياه الأمطار والأنهار، وتوفير خزين يستخدم لاحقا في الزراعة وتخفيف آثار الجفاف.
هذه الخطوات، رغم بساطتها مقارنة بحجم التحدي، تعكس فهما عميقا لأهمية إدارة الموارد المائية، وتظهر أن الحلول ليست مستحيلة، بل تحتاج إلى إرادة وتخطيط.
ويرى مراقبون أن المشكلة لا تقف عند حدود الإهمال أو البطء الإداري، بل تمتد إلى طريقة التعامل مع الأزمات نفسها.
فبدلا من الاعتراف بالتقصير والعمل على معالجته، يخشى أن تلجأ الحكومة الاتحادية، مع حلول الصيف المقبل وعودة أزمة المياه، إلى توجيه الاتهامات نحو إقليم كوردستان بأنه يمنع تدفق المياه ، متجاهلة جوهر المشكلة المتمثل في غياب مشاريع الخزن المائي في بقية مناطق العراق.
هذا النمط في إدارة الأزمات ليس جديدا، إذ غالبا ما يستعاض عن الحلول الحقيقية بخطاب إعلامي يهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي أو تحويل الأنظار، بدلا من مواجهة الخلل البنيوي في قطاعات حيوية مثل الإعمار والبنى التحتية.
وفي خضم ذلك، يبقى المواطن العراقي هو المتضرر الأول، يراقب المياه تهدر في الشتاء، ثم يعاني العطش في الصيف، دون أن يرى تغييرا ملموسا.
ومع مرور الوقت، تتشكل فجوة بين الواقع والتوقعات، حيث يتساءل الشارع: كيف لدولة تمتلك هذه الموارد أن تعجز عن إدارتها؟ ولماذا تترك الحلول الواضحة دون تنفيذ؟.
في النهاية، لا تبدو أزمة المياه في العراق قدرا محتوما، بل نتيجة قرارات مؤجلة وخطط غائبة.
وبين أمطار تهطل بغزارة وصيف يهدد بالجفاف، يبقى مستقبل هذا الملف مرهونا بقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول… قبل أن تتحول كل قطرة مطر جديدة إلى فرصة ضائعة أخرى.