في خضم التصعيد غير المسبوق الذي تشهده المنطقة مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يجد الكورد أنفسهم مرة أخرى أمام معادلة معقدة تفرض عليهم قدراً كبيراً من الحذر السياسي والواقعية في قراءة موازين القوى. فهذه الحرب، بكل أبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية، ليست حرباً كوردية ولا تمسّ بصورة مباشرة تطلعات الشعب الكوردي أو قضاياه القومية، لذلك يتجه الموقف الكوردي اليوم نحو الحياد وتجنب الانخراط في صراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل رغم الاستهدافات الصاروخية لمدن إقليم كوردستان.
لقد دفع الكورد عبر التاريخ أثماناً باهظة نتيجة صراعات القوى الإقليمية والدولية، وغالباً ما وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام خيبات أمل بعد أن تستخدم قضيتهم كورقة في لعبة المصالح الكبرى.
ومن هنا يتعزز اليوم داخل المجتمع السياسي الكوردي إدراك عميق بضرورة عدم الانجرار إلى محاور الصراع، وعدم السماح لأي طرف باستخدام الكورد كأداة في حرب قد تتغير فيها التحالفات بين ليلة وضحاها.
فالتجارب السابقة ما تزال حاضرة في الذاكرة الكوردية، وفي مقدمتها ما جرى في كوردستان سوريا عندما شكلت قوات سوريا الديمقراطية أحد أهم الحلفاء الميدانيين للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش، قبل أن تجد نفسها لاحقا أمام واقع سياسي مختلف بعد تراجع الدعم الأميركي وتركها تواجه تحديات مصيرية.
لقد تحولت تلك التجربة وغيرها من تجارب الخذلان إلى درس سياسي مهم للكورد مفاده أن التحالفات الدولية في الشرق الأوسط تحكمها المصالح المتغيرة أكثر مما تحكمها المبادئ أو الالتزامات طويلة الأمد.
لذلك يبدو الموقف الكوردي اليوم أقرب إلى سياسة النأي بالنفس، والتركيز على حماية الاستقرار الداخلي وتجنب تحويل مناطقهم إلى ساحات صراع أو ممرات لتصفية الحسابات الإقليمية.
فالكورد يدركون أن الدخول في هذه الحرب لن يغير موازينها، لكنه قد يعرّض مناطقهم لمخاطر أمنية وسياسية جسيمة، في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى الاستقرار والتنمية وتعزيز مؤسساته.
ومن هذا المنطلق، يسعى الكورد إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، مع التأكيد على أن قضيتهم القومية لا ينبغي أن تكون جزءاً من صراع القوى الكبرى في المنطقة.
إن الحياد الكوردي في هذه المرحلة لا يعكس ضعفاً أو تردداً، بل يعبر عن قراءة واقعية للتاريخ القريب وتجارب مريرة أثبتت أن الكورد كثيراً ما كانوا أول من يدفع الثمن وآخر من يجني النتائج. ولهذا فإن الرسالة الكوردية اليوم تبدو واضحة: لسنا طرفاً في هذه الحرب، ولن نسمح بأن تتحول أرضنا أو قضيتنا إلى أداة في صراع لا يخدم مستقبل شعبنا ولا استقرار منطقتنا.