كثيرون يخلطون بين الآلية في النظام الديمقراطي، أي الانتخابات وصناديق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة، وبين الجوهر المتمثل في حق الفرد في ممارسة حياته الخاصة.

إذا كانت الحريات السياسية تضمن لك حقك كمواطن في الدولة، فإن الحريات الاجتماعية تضمن لك حقك كإنسان في داخل المجتمع.

الحريات الاجتماعية، تمثل مجموعة الحقوق التي تسمح للفرد برسم مسار حياته الشخصية وتفاعلاته مع الآخرين بعيدا عن تدخل السلطة أو ضغط المجتمع، طالما لم يلحق ضررا بالآخرين؛ ويشمل ذلك حرية الاعتقاد والضمير، فلا يقتصر الامر فقط على ممارسة الشعائر الدينية، بل يشمل حق الفرد في اعتناق ما يراه مناسبا من أفكار وفلسفات، و عدم إجبار أي شخص على تبني فكر معين أو ممارسة طقوس لا يؤمن بها، او ترك ممارسة غير ضارة بالمجتمع انطلاقا من مسوغات أيديولوجية؛ يتوجب المساواة الكاملة بين الأفراد بغض النظر عن خلفياتهم.

ان حرية التعبير عن الهوية والنمط المعيشي جانب يمس الحياة اليومية، ويتضمن، الخصوصية بحق الفرد في حماية أسراره، مسكنه، ومراسلاته من التجسس أو الاقتحام، اما الخيارات الشخصية فتشمل الحرية اختيار الملبس، المأكل، وطريقة العيش التي يفضلها الإنسان.

ومنذ مدة تحاول الأجهزة التنفيذية للحكومة العراقية الاتحادية وجهات مرتبطة بمجاميع مسلحة التدخل في تلك الحريات وفرض آراءها على الناس، وذلك التدخل يتوسع باستمرار، ومن ذلك تدخلها لمنع حفلات الغناء او منع النوادي الاجتماعية التي تقدم مشروبات كحولية وحتى محال بيعها، ما أدى الى تهديد ارزاق العاملين بتلك النشاطات.

تشمل الحريات الاجتماعية ايضا حرية اختيار الشريك وتكوين الأسرة والروابط الاجتماعية، و حرية التنقل والإقامة، وان يكون للفرد الحق الكامل في، السفر والانتقال في داخل حدود وطنه أو مغادرته والعودة إليه، و اختيار مكان السكن والعمل من دون قيود تفرضها الدولة بناء على معايير تمييزية، وجرى اختراق القانون منذ مدة اذ تمنع بعض المحافظات انتقال الناس للعيش فيها من دون مسوغات قانونية او واقعية بل ان بعضها يتميز بقلة عدد سكانها، ومع ذلك تمنع انتقال عراقيين من محافظات أخرى للسكن فيها.

وكذلك جرى تعديل قانون الأحوال الشخصية المتقدم على عصره (قانون 1959) بما يواءم قناعات بعض الاجتهادات الدينية، فغيبت حقوق اعداد كبيرة من النساء.

و تعد الحرية الاجتماعية ناقصة إذا لم يجري الوصول إلى تعليم محايد لا يلقن إيديولوجيا واحدة، و حرية البحث العلمي والنشاط الفكري والإبداعي، تحاول بعض الجهات الدينية حرف التعليم بالضد من ذلك.

الفرق الجوهري بين الحريات السياسية والحريات الاجتماعية، يتمثل في ان هدف الحريات السياسية المشاركة في إدارة الدولة، اما الحريات الاجتماعية فتستهدف حماية الاستقلال الشخصي؛ الحريات السياسية مجال عملها البرلمان، الانتخابات، الأحزاب، اما الحريات الاجتماعية ففضاء عملها المنزل، الشارع، أماكن العمل، النوادي الاجتماعية.

الديمقراطية الحقيقية هي ميزان؛ فالحريات السياسية من دون حريات اجتماعية قد تؤدي إلى "دكتاتورية الأغلبية" اذ تقرر الأغلبية الحاكمة كيف يجب أن يعيش الأفراد في بيوتهم، في الشارع، في المكان العام، بالمقابل الحريات الاجتماعية من دون سياسية تجعل حقوقك هشة ومعرضة للضياع في أي لحظة.

تتحول الحريات الاجتماعية من مجرد أفكار فلسفية، إلى حقوق واقعية، عندما يجري تحصينها بترسانة قانونية ومؤسساتية. القانون في الأنظمة الديمقراطية لا يوضع فقط لمعاقبة المجرمين، بل وظيفته الأساسية هي رسم حدود للسلطة ومنعها من تجاوزها نحو حياة الأفراد، اذ يؤدي التدخل في حياة الناس وطريقة معيشتهم من دون مسوغات قانونية الى تهديد حياتهم وحتى قتلهم، وهو ما حصل في اكثر من مناسبة لاسيما في العراق.

مبدأ "سيادة القانون" و"الشرعية" يعني أن الدولة لا تملك سلطة مطلقة، بل تتحرك فقط في حدود ما يسمح به، القاعدة القانونية تقول إن كل ما لم يحرمه القانون فهو مسموح، أي أن الدولة لا تستطيع منعك من فعل شيء (مثل ارتداء زي معين او الغناء) او تتدخل في اكلك وشربك إلا بنص قانوني واضح يبرر المنع بداعي حماية الآخرين.

القانون يحمي ما يسمى بـ "حرمة الحياة الخاصة" عبر حرمة المساكن ايضا فلا يجوز تفتيش المنازل أو دخولها إلا بإذن قضائي مسبب وفي حالات ضيقة جدا (جنايات).

وطبعا الحماية القانونية ليست مطلقة، بل تنتهي حرية الفرد حيث تبدأ حرية الآخرين، اذ يضع القانون "ضوابط الضرورة" لضمان عدم تحول الحرية إلى فوضى، وهي، عدم الإضرار بالغير: لك الحرية في الاستماع للموسيقى، لكن ليس بصوت يمنع جيرانك من النوم وفي الوقت نفسه لا يجوز تحريم الموسيقى بمسوغات غير منطقية.

على منظمات المجتمع المدني، ان تعمل كرقيب يرفع القضايا أمام المحاكم نيابة عن الفئات الضعيفة.

في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية (الفرد أولا)، اذ تعتمد هذه الأنظمة على فكرة أن "الفرد هو وحدة بناء المجتمع"، وبالنتيجة فإن حقوقه الشخصية هي الأصل، و القانون هنا وجد لخدمة الفرد وحمايته من تغول الدولة أو ضغط الجماعة، القانون يحمي حتى الأنماط المعيشية التي قد لا تحبها الأغلبية، طالما أنها لا تكسر قانونا ماديا.

الأنظمة ذات التوجه الشمولي (المجتمع/الدولة أولا)، تنتشر في بعض الدول، التي تتبنى صبغة دينية أو قومية محافظة، حيث ينظر للفرد كجزء من "كيان أكبر"، فهي تزعم ان الحقوق تمنح للفرد بما لا يتعارض مع "مصلحة الجماعة" أو "القيم المشتركة"، وهنا الحريات الاجتماعية، قد يجري تقييدها بذريعة الحفاظ على "الهوية الثقافية" أو "التماسك الاجتماعي" او ما يسمى "القدسية الدينية"، هنا، ما تراه الدولة مصلحة تعلو على رغبة الفرد.

غالبا ما تركز هذه الأنظمة على توفير بعض الخدمات مقابل التنازل عن بعض الحريات الشخصية أو السياسية.

الديمقراطية الليبرالية تعد الخصوصية اولوية مقدسة، التدخل فيها يتطلب أدلة جنائية مرنة، في النظام الشمولي قد تنتهك للصالح العام أو الأخلاقي، في النظام الديمقراطي، التنوع الاجتماعي ينظر إليه كإثراء، فيما ينظر اليه في النظام الشمولي كتهديد للوحدة الوطنية.

التحدي الحقيقي اليوم هو إيجاد "نقطة التوازن". فالتطرف في الفردية قد يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية وغياب الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين، والتطرف في الجماعية قد يحول المجتمع إلى "سجن كبير" يقمع الإبداع والاختلاف. الدول التي حققت استقرارا كبيرا هي تلك التي استطاعت حماية خصوصية الفرد (حرية اجتماعية) مع الحفاظ على عقد اجتماعي يضمن التكافل والمسؤولية الجماعية.