تخيّلوا لصاً يقتحم بيتكم، ثم يجلس على أريكتكم ليكتب لكم «شروط» تسليم مسدسه : - ادفعوا له أولاً، وأخرِجوا الجيران المسلحين قانونيا من الحي، وسلّموه مفاتيح بيوت  الجيران أيضاً كي «يطمئن»، وبعدها، ربما، يفكر في تسليم سلاحه "إن" رأى أن الضرورة لم تعد قائمة. هذا بالضبط ملخص بيان «كتائب سيد الشهداء» وما تسمى«المقاومة الإسلامية», عشرة شروط لا علاقة لتسعة منها بتسليم سلاح كاتبها، بل بتجريد الآخرين من سلاحهم، وبتمويله هو، وحمايته قانونياً، وتبرئته من كل ما اقترفته يداه.

لو كانت هذه الفصائل تنوي تسليم اسلحتها ، لكانت وثيقته من سطر واحد: «سلاحنا تحت تصرف القائد العام اعتباراً من اليوم». هذا هو الاختبار الوحيد الذي يميّز نية التسليم الحقيقية بدلا من المناورة والبيان الذي ليس له طعم ولا لون و لا رائحة , والذي يلغي نفسه من أول جملة .

والدليل الأوضح على أن الأمر مناورة لا نية، كامن في بند لم يلتفت إليه كثيرون: مقدمة البيان تنص على أن السلاح قد «يعود» إذا اقتضت «الضرورة»، دون أن تحدد من يملك تعريف هذه الضرورة أو سقفها الزمني أو الجهة التي تحاسب على تفسيرها الخاطئ. من الناحية القانونية البحتة، أي التزام يتضمن شرطاً فاسخاً مفتوحاً بيد أحد طرفيه فقط، لا يُعتبر التزاماً بالمعنى الحقيقي، بل وعداً بلا ثمن. فالبيان لا يُسلّم السلاح، بل يُسلّم «حق تأجيل تسليمه»، ويحتفظ لنفسه بمفتاح الرجوع متى قرر وحده أن الظروف تغيّرت.

أما البند المتعلق بالبيشمركة، فهو الاختبار الذي يكشف الفارق بين خطاب «حصر السلاح» وواقعه. فالبيشمركة قوة ذات غطاء دستوري، نص عليها الدستور العراقي ضمن الإطار الاتحادي بين بغداد وأربيل، وتخضع لهيكل قيادة معروف ولإجراءات تمويل وتنسيق مع بغداد قابلة للتدقيق. وهذا بالضبط ما يجعلها، سلاحا دستوريا منظما ومشروعا . لذلك فحينما يُطالب حلّها بدل تطوير آليات التنسيق معها، ويُترك السلاح غير الخاضع لأي غطاء دستوري كما هو، ينقلب المعيار المعلن رأساً على عقب .

وهذا يقودنا إلى النقطة التي يتجاهلها كل من يناقش هذا البند من زاوية «الحدود» وحدها: المسألة ليست جغرافية، بل مسألة توازن قوى داخلي. فحين تُجرَّد قوة إقليمية دفاعية معترف بها من قدرتها، بينما يحتفظ فصيل منفلت عابر للحدود بصواريخه ومسيّراته وقراره العملياتي المستقل، فإن الناتج ليس دولة أكثر انضباطا ، بل ساحة أقل توازناً، يصبح فيها الفصيل الأقوى عسكرياً هو الحكم الفعلي على من يحق له الدفاع عن نفسه ومن لا يحق له ذلك. وهذه، بالمناسبة، وظيفة لا يملكها دستورياً أي فصيل، مهما بلغ نفوذه.

وحين ننتقل إلى الشروط المتعلقة بالتمويل والعتاد بموجب قانون الحشد الشعبي، تظهر الحيلة البنيوية للبيان بأوضح صورها , فهو يطلب من الدولة الاعتراف به جزءاً من مؤسستها الرسمية من حيث الرواتب والتسليح والغطاء القانوني، بينما يرفض ضمناً الشرط الوحيد الذي يجعل أي قوة «مؤسسة رسمية»، وهو خضوع قرار استخدام السلاح لسلسلة قيادة موحدة تنتهي عند القائد العام. أي أنه يطلب مزايا الانتماء المؤسسي كاملة، دون أن يقبل عبء الانضباط المؤسسي الوحيد الذي يبرر تلك المزايا أصلاً. وهذا ليس تناقضاً عابراً في الصياغة فقط، بل هو التناقض المركزي الذي يفسر كل الشروط الأخرى.

ويتكرر المنطق نفسه، بصيغة مختلفة، في الشروط المتعلقة بخروج القوات الأجنبية وتسوية ملفات إقليمية مع دول الجوار: فهذه ملفات سياسية معقدة، بعضها عالق منذ عقود، وربطها بمصير سلاح داخلي يحوّل هذا السلاح فعلياً إلى وظيفة دائمة لا مهمة مؤقتة. فبدل أن يكون السلاح استثناءً مؤقتاً ينتهي بانتهاء ظرف معين، يصبح، بحكم الصياغة نفسها، مرتبطاً بمتغيرات لا تخضع لسيطرة الدولة العراقية أصلاً، وبالتالي بلا أفق زمني واقعي لإنهائه. وهنا يتحول «حصر السلاح» من هدف قابل للتحقيق إلى شعار مؤجل باستمرار بحكم الشرط نفسه الذي وُضع لتحقيقه.

وإذا جُمعت هذه العناصر معاً، تظهر البنية الحقيقية للبيان:-

 شرط فاسخ مفتوح يُبطل أي التزام (بند الضرورة)...

 ومعيار مزدوج يستهدف القوة الأكثر انضباطاً بدل الأقل انضباطاً (بند البيشمركة)....

 ومطالبة بامتيازات المؤسسة الرسمية دون أعبائها (بند التمويل والحشد)....

 وربط السلاح بمتغيرات لا نهاية زمنية لها (بند الملفات الإقليمية)....

 هذه ليست عشرة شروط منفصلة، بل أربع آليات مترابطة تخدم غرضاً واحداً وهو " تأجيل السؤال الجوهري إلى ما لا نهاية، وهو من يملك قرار الحرب والسلم في العراق".

والمفارقة الدستورية التي تستحق التوقف عندها هي أن فصيلاً لا يخضع أصلاً لسلطة القائد العام يتصرف، عبر هذا البيان، وكأنه سلطة تشريعية موازية، تملك حق إصدار توصيات ملزمة بحل مؤسسة أمنية تابعة لإقليم دستوري آخر. فلا الدستور العراقي يمنح أي فصيل هذه الصلاحية، ولا القانون العراقي يعترف بجهة غير رسمية كطرف تفاوضي في قرارات إعادة الهيكلة الأمنية لإقليم كوردستان. وبذلك يتحول البيان من وثيقة سياسية إلى ادعاء بصلاحية لا يملكها كاتبه أصلاً، وهو ادعاء لا يحتاج نقاشاً قانونياً معمّقاً لدحضه، بل قراءة بسيطة للمادة الدستورية التي تنظم العلاقة بين المركز والإقليم.

وما يجعل هذا كله أخطر من مجرد مناورة إعلامية هو أنه يعيد تعريف مفهوم «حصر السلاح» نفسه من الداخل: فبدل أن يعني المصطلح توحيد قرار السلاح تحت سلطة دستورية واحدة، يصبح، في صياغة البيان، يعني توزيع القدرة الدفاعية بما يخدم ميزان قوى بعينه، مع الاحتفاظ بحق نقض هذا التوزيع لاحقاً إن لزم الأمر. وهذا الاستبدال في المعنى، لا الشروط العشرة نفسها، هو ما يستحق أن يُقرأ بعناية، لأنه إن مرّ دون تفنيد، فسيصبح المعيار المستقبلي لأي نقاش حول السلاح في العراق هو نفسه: من يملك القوة الأكبر يكتب تعريف الشرعية.

وفي المحصلة، فإن أي مشروع جاد لحصر السلاح بيد الدولة يجب أن يبدأ من نقطة واحدة لا تقبل التفاوض: سننزع اسلحتنا دون شروط ودون ربط استحقاقات محلية بملفات إقليمية عصية على الحل. أما ما دون ذلك فهو  مجرد إعادة توزيع للقوة يكتبها من يملكها أصلاً ومن يُفترض أن يخضع لها في الاساس .