رُب ضارة نافعة، هذا المثل ينطبق تماماً على الاحتجاجات التي بدأها التجار العراقيون منذ المباشرة بتطبيق قرار مجلس الوزراء "المنتهي الصلاحية" المتعلق برفع الرسوم الجمركية والضريبية على المواد المستوردة، وعلى الرغم من التظاهرات المتكررة للتجار إلا أن هذا المجلس "الجاثم" على صدور العراقيين لم يستجب ولم يحرك ساكناً وكأن اعتراضات آلاف التجار لا تعنيه بشيء وقوت ملايين العراقيين لا يشكل لديه أدنى قيمة وطنية أو إنسانية، وهو ما دفع التجار إلى الإضراب عن العمل وغلق محالهم ومخازنهم كتصعيد أخير في محاولة لثني هذه الحكومة عن قراراتها "الانتقامية".
لست متعاطفاً مع التجار ولا أظن أن أحداً يتعاطف معهم إذ للأسف الشديد لطالما كانت هذه الشريحة عبئاً ثقيلاً على كاهل المستهلك في كل زمان ومكان وبالأخص عند تردي الأوضاع الاقتصادية، لذلك لا ينتظر التجار تأييداً شعبياً عندما يحتجون أو يضربون عن العمل، لكن أعتقد أن احتجاجهم الأخير سيكون له وقع آخر على المواطن.
عادة ما تُواجه عمليات أسعار السلع والبضائع وبالأخص الاستهلاكية والغذائية باستنكارات وردود أفعال شعبية لكونها تمس حياة المواطنين ومفرداتهم اليومية، لذلك نجدهم الصوت الأبرز والأعلى والوحيد، لكن في الغالب لا تتم الاستجابة لمطالبهم وشكاواهم، وهذا هو الحال منذ أن عرفت الأنظمة الحاكمة سلاح الاقتصاد وحتى الآن سواء كانت ملكية أو دكتاتورية أو ديمقراطية، فالاستبداد الحقيقي هو للاقتصاد وما السياسة والسياسيين إلا أدوات تنفذ مقتضيات ومتطلبات "الجشع" سواء كانت قانونية أو غير قانونية، إنسانية أم مجحفة.
لكن إضراب التجار العراقيين الأخير يكاد يكون الاحتجاج الوحيد -على ما أتذكر- الذي يصب في مصلحة المستهلك أكثر مما يعود بالنفع على التاجر نفسه، فكما اعتدنا التاجر لا يعبأ بمعاناة المواطن ولا يعنيه إن كان قادراً على شراء احتياجاته أم لا، وخير دليل على ذلك 13 عاماً مريراً كالحاً مدمراً عاشها العراقيون تحت سياط الحصار الاقتصادي وكيف كان التجار يرفعون الأسعار بسبب ومن دون سبب على الرغم من أنهم يعلمون يقيناً أن القدرة الشرائية للمواطن معدومة أساساً وليست ضعيفة، وما زلت أتذكر سجلات الديون لصغار التجار وأصحاب محال المفرد التي تمتلئ صفحاتها بالديون المتراكمة على المستهلكين، بل أن البعض منهم اضطروا إلى غلق مشاريعهم بسبب إن الديون كانت أكبر من الأرباح بكثير، ومع ذلك لم يتوقف التجار عن رفع الأسعار.
أما الآن وبالرغم من القدرة الشرائية المرتفعة بشكل مفرط للمستهلك لكن موقف التجار مفاجئ وغير متوقع بتاتاً، موقف يُحسب لهم حقيقة بغض النظر عن نواياهم إن كانت من أجل المواطن أم من أجل أرباحهم فلست معنياً بـ"خائنة الأعين وما تُخفي الصدور"، ما يعنيني هو أن احتجاج التجار وإضرابهم إذا ما تمت الاستجابة له وتراجعت الحكومة المنتهية الصلاحية عن قرارها المجحف، فالمستفيد الوحيد هو المستهلك أو على أقل تقدير هو المستفيد الأكبر لكون التاجر منتفع في كلا الحالتين سواء بقيت الأسعار على حالها أو ارتفعت.
أرى في هذا الاحتجاج والإضراب بادرة تغيير إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح وبالإمكان توظيفها كورقة ضغط لتصحيح المسارات الخاطئة التي ارتكبتها الحكومات المتعاقبة وبالأخص تلك التي تتعلق بحياة المواطنين واحتياجاتهم، من خلال الضغط المستمر من قبل التجار عبر الإضراب، والتثقيف المتواصل من قبل الفاعلين الاجتماعيين لحث المواطنين على مؤازرة التجار سواء عبر المشاركة في الوقفات الاحتجاجية أو التأييد عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبذلك ستتوفر قوة ضغط اقتصادية وشعبية قادرة على إجبار هذه الحكومة ومن ستأتي بعدها بأن تحسب ألف حساب قبل أن تقدم على قرارات تمس المواطن بشكل مباشر أو غير مباشر.