في خضمّ بيانات الإدانة التي صدرت عن احزاب سیاسیة وقادة سياسيين عراقيين، وعن الحكومة وفصائل برلمانية، عقب الهجمات التي استهدفت منزلَي الرئیس مسعود بارزاني ورئیس اقلیم کوردستان السید نيچيرفان بارزاني، برز مصطلح يتكرر بشكل لافت: “مجاميع خارجة عن القانون”. قد يبدو هذا التعبير للوهلة الأولى توصيفًا قانونيًا محايدًا، لكنه في الحقيقة -سواء عن قصد أو عن جهل- يمثل انحرافًا خطيرًا عن توصيف الواقع.
المشكلة ليست لغوية فحسب، بل سياسية وأخلاقية. فهذه الجهات التي نفذت الهجمات ليست “خارجة عن القانون” بالمعنى التقليدي، بل هي وبكل وضوح، جماعات إرهابية. استخدام توصيف مخفف يضفي عليها طابعًا ضبابيًا، ويمنحها غطاءً غير مباشر، بدل أن يجرّدها من الشرعية ويضعها في موقعها الحقيقي.
الأخطر من ذلك أن هذه الجماعات ليست كيانات معزولة أو هامشية، بل هي جزء من بنية الدولة العراقية نفسها. عناصرها يتقاضون رواتب من الحكومة، ولها تمثيل داخل البرلمان، وتشغل مناصب في مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. تحمل السلاح العراقي، وتتحرك ضمن أطر رسمية، بينما تتلقى في الوقت ذاته دعمًا -غیر مباشر!- من إيران، سواء بالمال أو بالسلاح أو بالطائرات المسيّرة والصواريخ. فكيف يمكن، في ظل هذه المعطيات، وصفها بأنها “خارجة عن القانون”؟
الحقيقة الصادمة أن هذه الجماعات تمثل نموذجًا ل (الإرهاب المؤسسي)، حيث تتداخل مؤسسات وعناصر الدولة مع الفاعلين المسلحين إلى حدّ التماهي. وتحت مظلة (الحشد الشعبي)، تجد هذه الفصائل غطاءً قانونيًا شكليًا، بينما تمارس أفعالًا تقوض سيادة الدولة نفسها وتهدد أمن المواطنين.
إن الاستمرار في استخدام مصطلحات مخففة ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو تواطؤ سياسي يفتح الباب أمام مزيد من العنف والإفلات من العقاب. تسمية الأشياء بأسمائها ليست ترفًا، بل ضرورة وطنية. فحين يُسمّى الإرهاب (خروجًا عن القانون)، يصبح القانون نفسه أداة لتبرير الإرهاب.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا يتم تبييض صورة هذه الجماعات؟ ولماذا يُصرّ البعض على تجنّب وصفها الحقيقي، رغم أنها تستهدف العراقيين أرضًا وشعبًا وحياةً؟
إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من اللغة، لكنها لا تنتهي عندها. المطلوب موقف سياسي صريح، يعترف بأن الخطر لم يعد خارجيًا فقط، بل أصبح متجذرًا داخل بنية الدولة. دون ذلك، ستبقى البيانات مجرّد حبر على ورق، فيما يستمر الإرهاب في إعادة إنتاج نفسه، هذه المرة بغطاء رسمي.