أعلمُ أنّ جنابَكم يدري ملابسات ترشيحِه، ثم اختيارِه رئيسًا للوزراء من بين العديد من هَياكلِ وأَعمدةِ السياسةِ في العراق، ولكنْ يَبدو أنّكم لم تُدرِكُوا أنّ رئاستَكم هذه تَختلِفُ عن كافّة رئاسات مَنْ سبقوكم، لا مِن حيث الجهةِ التي أخرجتْكم مثلَ الشّعرةِ من العَجين من بينِهم، ولا مِن حيث المهمّةِ المُناطَةِ إليكم، ولا من حيث الظروفِ التي أوصلتْكم إلى السلطةِ، ولا من حيث الدعمِ الذي سيَنهالُ عليكم، محليًّا وعالميًّا.
فقد بدأتَ، سيادة الرئيس، عملَك بتقليدِهم، في حين كان يجبُ أنْ يكون مختلفًا عنهم، إذ أمرتَ بإزالةِ صورك من مكاتبك، ومنعتَ الوزراء من تعيين مدراء مكاتبهم من خارج الوزارة، وهي تمثيلياتٌ قديمةٌ واسطواناتٌ مَشروخَةٌ سبقكَ فيها عُكاشة، كما يقول المثلُ.
ولا يقفُ الأمرُ عند هذه التمثيليات المفضوحَةِ والمُتكرِّرةِ، وإنما قمتَ بتقليدهم في مواصلة جرائِمهم الاقتصاديةِ بحقِّ العراق، إذ قدَّمتَ وعودًا بالتوظيف، وطَمأنْتَ الموظّفين بشأن انتظام رواتبهم، وتعهدّتَ بتوسيعِ الإعانات الاجتماعية، في وقتٍ تُعاني فيه الدولةُ فعليًّا من أزمةِ سيولةٍ حادّةٍ، ومن عجزٍ مُزمِنٍ في المالية العامة، فيما تبدو خياراتُ التمويلِ مَحدودًا ومُعقّدًا.
سيادة الرئيس
لستَ، حتمًا، كرئيس وزراءٍ جديدٍ، مسؤولًا عن المُعطَياتِ الاقتصاديةِ السيئةِ في العراق التي لا تدعو إلى التفاؤلِ، بقدرِ ما تثيرُ القلقَ، فمعلومٌ أنّك ورثتَها عمّنْ سبقَك، ولكنّك، حتمًا، مُطالَبٌ بالحذر الإداري، والانضباط الاقتصادي، ومُكلَّفٌ بالصراحةِ مع أبناء شعبك المُترنِّحِينَ تحت وطأةِ مُخلَّفاتِ الجرائم الاقتصادية للحكومات العراقية المُتعاقِبةِ التي سبقتْ حكومتَك.
سيادة الرئيس
جنابُكم مُكلَّفٌ، ومُلزَمٌ، بعدمِ تقليدِ مَنْ سبَقوك، أوّلًا، وبتَصحيحِ ما اقتَرفُوهُ من أخطاء، ثانيًا، بَدْءً من الصراحةِ مع الشعب، ومُواجَهتِهِ بالحقائقِ، وتَهيئَتِهِ لِتحَمُّلِ صُعوباتِ المرحلة القادمة، وبيانِ هذه الصعوبات، وكيفيةِ تَجاوزِها خلال فترةٍ زمنيةٍ، مُدرَجةٍ ضمن سياسيةٍ اقتصاديةٍ، قد تكونُ قاسيةً في مراحلِها الأولى، بِشِقَّيها الماليِّ والنقديِّ، لحينِ إرساءِ القواعدِ المُؤسّساتِيّةِ والازدهارِ الاقتصادي والتنميةِ الوطنية.
سيادة الرئيس
وَاجِهِ الشعبَ، بكلِّ شَجاعةٍ وجَرأَةٍ، وقُلْ لهم: "الدولةُ تُعاني من أزمةٍ ماليةٍ، قد تَتسبَّبُ باستقطاعِ الرواتب، والاستغناءِ عن بعض العاملين فيها، وقد تتوقّفُ بعضُ المشاريع الاستثمارية، ممّا سيَخلقُ رُكودًا، قد يَكونُ حادًّا، في الأسواق، وسنَضطَرُّ للاِسْتِلافِ الخارجي، إذ تعجزُ المصارِفُ المحليةُ عن تسليفِ الدولة، لأنّها بَلغتِ الذُّرْوَةَ بهذا الشّأنِ، وقد لا نتمكّنُ من تمويلِ كافّةِ الملفّات الاستيرادية، وهذا يعني ارتفاعُ أسعارِ السِّلَعِ المُستورَدةِ.. كلُّ ذلك، وغيرُه، أصارِحُكم به، لا لِخلْقِ حالةِ تَشاؤُمٍ ويَأسٍ، وإنّما لبيانِ أنّنا استَوعَبْنَا المعطياتِ الاقتصاديةَ، وشَخَّصْنا عِلَلَها، ونحنُ، وأنتم مَعنَا، سنَسعى لِتَخفيفِ وَطْأتِها، ومُعالجةِ خَللِها، من خلال برنامجٍ اقتصاديٍّ وطنيٍّ، يختلفُ جَذرِيًّا عن سابقاتِه، وسنُعايِشُ معًا نتائجَه الإيجابيةَ، في المدى المَنظور، بعون الله".
سيادة الرئيس
تستطيعُ أنْ تكونَ صريحًا مع شعبك، فالظروفُ الحاليةُ مُواتِيَةٌ لذلك، وحكومتُك ليستْ كالحكومات السابقة، وتستطيعُ أنْ تُعالِجَ الخَلَلَ الهَيكلِيَّ في الاقتصاد، لأنّ الدّعمَ الداخليَّ والخارجيَّ سيُسانِدَكَ، وتستطيعُ أنْ تُنوِّعَ الاقتصادَ وتُموِّلَهُ، وتَجذِبَ الاستثمارَ الأجنبيَّ.. كلُّ ذلك، مُمكِنٌ، فقط، إذا قرَّرتَ أنْ تكونَ مُختلِفًا، وطنيًّا، مُتوائِمًا مع المَنظومةِ السياسيةِ الجديدةِ في الشرق الأوسط.
أتمنّى لكم الموفقيةَ والسّدَادَ والاِختِلافَ والتّمايُزَ عن أسلافكم