في شوارع مدننا العراقية، وبين المحال التجارية والمطاعم والصالونات والباعة المتجولين، نشاهد في السنوات الأخيرة انتشار بعض التسميات والعبارات والصور التي لا تنسجم أحياناً مع الذوق العام، ولا تتناسب مع مكانة بعض الرموز الدينية والوطنية والشخصيات التي تحظى باحترام واسع في المجتمع.
المسألة ليست اعتراضاً على الإبداع في اختيار أسماء المحال، ولا تدخلاً في أرزاق الناس وأعمالهم، فلكل صاحب مشروع الحق في أن يختار اسماً مميزاً يجذب الزبائن ويعبّر عن مشروعه. لكن حرية الاختيار ينبغي أن ترافقها مسؤولية واحترام للذوق العام ولخصوصية المجتمع.
فمن المؤسف أن نجد أسماء أو عبارات تحمل إيحاءات غير لائقة على واجهات المحال، أو على عربات الباعة المتجولين، أو في الإعلانات التجارية، حتى أصبحت بعض شوارعنا أشبه بمساحة مفتوحة لكل ما يمكن أن يجذب الانتباه، من دون التفكير في تأثير هذه التسميات على الأطفال والعوائل والمارة.
والأمر لا يتوقف عند الكلمات والأسماء، بل أصبحنا نشاهد أحياناً أسماء شخصيات دينية ورموزاً مقدسة على المطاعم والصالونات والمحلات والستوتات وعربات البيع، بل وحتى صور بعض القادة والشخصيات السياسية على المركبات التجارية والخاصة.
وهنا من حقنا أن نتساءل: هل كل اسم يصلح لأن يكون اسماً تجارياً؟ وهل كل صورة أو رمز يمكن استخدامه في كل مكان ولأي غرض؟
أنا لا أتحدث عن منع الإنسان من التعبير عن محبته واحترامه لشخصية دينية أو وطنية، فهذا أمر شخصي نحترمه، وإنما أتحدث عن استخدام هذه الرموز في سياق تجاري أو تسويقي.
فمن غير اللائق، برأيي، أن يتحول اسم شخصية دينية لها مكانتها في وجدان الناس إلى اسم لمطعم أو صالون، أو أن توضع صورة شخصية دينية على مركبة تستخدم لأغراض تجارية، أو أن تستخدم أسماء الرموز والقادة وسيلة لجذب الزبائن والترويج لنشاط تجاري.
المقدسات والرموز التي نحترمها أكبر من أن تتحول إلى علامة تجارية.
وكذلك الحال بالنسبة إلى صور القادة والشخصيات السياسية؛ فمحبة الناس لشخصية سياسية أو دينية حق لهم، لكن استخدام صورتها على المركبات والمحلات والأنشطة التجارية قد يحوّل الفضاء العام إلى مساحة للدعاية الشخصية والسياسية، ويخلق أحياناً حساسيات نحن في غنى عنها.
المشكلة إذن ليست في الاسم أو الصورة بحد ذاتها، وإنما في المكان والسياق والغرض من الاستخدام.
العراق مجتمع متنوع، وفيه مذاهب وأديان وقوميات واتجاهات سياسية وفكرية متعددة، ولذلك فإن الحفاظ على الذوق العام واحترام الرموز التي يقدسها الناس جميعاً أو بعض شرائح المجتمع هو مسؤولية مشتركة.
ونحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لضوابط أسماء المحال والمطاعم والصالونات والأكشاك والباعة المتجولين والستوتات والمركبات والإعلانات واللافتات التجارية، بحيث تكون هناك معايير واضحة تمنع الإساءة إلى المقدسات والرموز الدينية والوطنية، وتمنع كذلك الأسماء والعبارات الخادشة للحياء أو المخالفة للذوق العام.
وهذا لا يعني التضييق على أصحاب المشاريع الصغيرة أو ملاحقة الناس في أرزاقهم، وإنما المطلوب هو التنظيم والتوعية أولاً، ثم المعالجة القانونية عند الضرورة، مع منح أصحاب المحال والمشاريع القائمة فرصة لتصحيح الأسماء أو الصور المخالفة بدلاً من فرض عقوبات مباشرة.
فالمدينة ليست مجرد أبنية وشوارع ومحال؛ المدينة لها هوية ولغة وذاكرة ومشهد بصري وثقافي. وحتى اللافتة الصغيرة فوق محل أو صورة على مركبة هي جزء من المشهد الذي يراه المواطن والزائر يومياً.
نريد أسماء تجارية جميلة، مبتكرة وعصرية، لكن في الوقت نفسه تحترم الإنسان والمجتمع والدين والوطن.
نريد حرية في التجارة، ولكن معها مسؤولية.
نريد إبداعاً في اختيار الأسماء، ولكن ليس على حساب القيم.
ونريد أن تبقى الرموز الدينية والوطنية محترمة، لا أن تتحول إلى وسيلة للدعاية أو التسويق والربح.
وفي النهاية، فإن احترام المقدسات والشخصيات الدينية والوطنية لا يعني إلغاء حرية التعبير، كما أن تنظيم الفضاء العام لا يعني التضييق على الحريات؛ وإنما يعني أن يعرف كل منا أن لكل شيء مكانه المناسب، وأن ما نضعه في الشارع ليس شأناً شخصياً بالكامل، لأنه يصبح جزءاً من المشهد العام الذي يشترك فيه الجميع.
فالذوق العام مسؤولية، واحترام الرموز مسؤولية، وتنظيم مدننا مسؤولية مشتركة بين المواطن والدولة والجهات المختصة.