تعود إلى الواجهة في العراق فكرة حل مجالس المحافظات، باعتبارها إحدى المؤسسات التي أصبحت موضع جدل سياسي وشعبي، بين من يرى أن وجودها يمثل حلقة إدارية وسياسية زائدة يمكن الاستغناء عنها، وبين من يرى أن المشكلة ليست في وجود المجالس وإنما في ضعف أدائها وآليات الرقابة عليها.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعيداً عن الانفعال السياسي هو: إذا حللنا مجالس المحافظات، هل سنقضي فعلاً على الفساد في الحكومات المحلية؟ وكم ستوفر الدولة؟ وهل الفساد مشكلة محلية أم أنه يمتد إلى الوزارات والمؤسسات الاتحادية أيضاً؟
الوفر المالي.. مهم لكنه ليس جوهر المشكلة
من الصعب إعطاء رقم دقيق لما ستوفره الدولة من حل مجالس المحافظات من دون كشف رسمي موحد يتضمن رواتب الأعضاء، والمخصصات، والحماية، والموظفين، والمباني، والمستلزمات، والنفقات المرتبطة بالمجالس في جميع المحافظات.
ولهذا فإن أي رقم قطعي متداول عن حجم الوفر يحتاج إلى تدقيق.
لكن حتى لو افترضنا أن إلغاء المجالس سيحقق وفراً مالياً سنوياً، فإن السؤال الاقتصادي الأهم هو: هل هذا الوفر كبير بما يكفي ليغير وضع الموازنة العراقية؟
الإجابة على الأرجح: لا.
فمشكلة المالية العامة العراقية أكبر بكثير من نفقات مجالس المحافظات؛ إذ ترتبط ببنية الإنفاق العام، والرواتب، والتقاعد، والدعم، والإنفاق التشغيلي، والاعتماد الكبير على النفط، وضعف الإيرادات غير النفطية.
وبالتالي فإن حل مجالس المحافظات قد يكون إجراءً لتقليل النفقات والترهل الإداري، لكنه لا يمكن أن يقدم باعتباره علاجاً للأزمة المالية.
هل مجالس المحافظات هي مصدر الفساد؟
هنا ينبغي الحذر من التعميم.
مجالس المحافظات تملك وفق الإطار القانوني للإدارة المحلية أدواراً رقابية وتشريعية محلية، في حين تتمتع الحكومات المحلية بصلاحيات إدارية ومالية واسعة في إطار اللامركزية. وينظم قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم 21 لسنة 2008 المعدل جانباً مهماً من هذه العلاقة.
لذلك فإن الفساد في المحافظة لا يعني بالضرورة أن مصدره مجلس المحافظة.
فقد يكون في:
- ديوان المحافظة.
- الدوائر المحلية للوزارات.
- عقود المشاريع.
- المشتريات الحكومية.
- تخصيص الأراضي.
- الاستثمار.
- الضرائب والجمارك.
- التعيينات.
- الإعفاءات والامتيازات.
- الشركات والمقاولين.
- المنافذ الحدودية.
ومن هنا فإن إلغاء مجلس المحافظة لا يعني إلغاء البيئة التي يمكن أن ينشأ فيها الفساد.
قد تختفي المؤسسة، ولكن إذا بقيت العقود غير الشفافة، وضعف الرقابة، وتداخل الصلاحيات، والمحاصصة، وضعف المحاسبة، فإن الفساد سيجد طريقاً آخر.
الفساد ليس ظاهرة محلية فقط
الأرقام الرسمية لهيئة النزاهة الاتحادية تقدم دليلاً مهماً على أن الفساد في العراق ليس محصوراً بالحكومات المحلية.
ففي تقريرها عن نشاط عام 2025، أعلنت الهيئة أنها نظرت في 37,175 إخباراً، وتعاملت مع 31,355 قضية جزائية، وأصدرت 14,645 أمر استقدام، بينها أوامر بحق وزراء ومن بدرجتهم ودرجات خاصة ومديرين عامين. كما أعلنت تنفيذ 1,555 عملية ضبط في مختلف المحافظات.
وهذا يعني أن ظاهرة الفساد تمتد إلى مستويات مختلفة من الدولة، من الإدارة المحلية إلى المؤسسات الاتحادية.
بل إن الهيئة رصدت خلال 2025 116 مشروعاً متلكئاً في عشر محافظات، بقيمة إجمالية بلغت نحو 946 مليار دينار إضافة إلى مبالغ بالدولار، وفتحت بشأنها 32 قضية جزائية.
وهنا تظهر المفارقة:
إذا كانت المشاريع المتلكئة موجودة في المحافظات، فإن المسؤولية قد تكون محلية في بعض الحالات، لكنها قد تكون أيضاً مرتبطة بوزارات اتحادية أو شركات أو مقاولين أو جهات تمويل وإحالة.
لذلك لا يجوز وضع المحافظات في قفص الاتهام وحدها.
حتى الوزارات ليست خارج دائرة المشكلة
في نيسان 2026، أعلنت هيئة النزاهة ضبط 32 موظفاً في دوائر ضريبية في ثماني محافظات بسبب مخالفات وهدر للمال العام، شملت تخفيض الضرائب ومنح إعفاءات من دون سند قانوني، واختلاف المبالغ المقبوضة عن السجلات، وإيصالات غير مسجلة، وشركات وهمية وغيرها من المخالفات.
هذه الواقعة مهمة لأنها تكشف أن الفساد قد يظهر في دوائر تابعة لوزارات اتحادية تعمل داخل المحافظات.
أي أن الحدود بين "فساد الحكومة المحلية" و"فساد الوزارة" ليست دائماً واضحة.
وهذا يقودنا إلى استنتاج أساسي:
الفساد العراقي ليس فساد مجالس محافظات فقط، ولا فساد وزارات فقط؛ إنه خلل في منظومة الإدارة والرقابة والإنفاق والمساءلة.
إذن.. ماذا يحدث إذا حللنا مجالس المحافظات؟
هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول: الحل مع إصلاح حقيقي
وهذا هو السيناريو الأفضل.
يتم حل المجالس أو إعادة هيكلتها، وفي الوقت نفسه يجري:
1. تحديد صلاحيات المحافظ بدقة.
2. تقوية الرقابة على أداء المحافظين.
3. إخضاع المشاريع المحلية لنظام رقابة إلكتروني.
4. نشر جميع العقود والتخصيصات ونسب الإنجاز.
5. منع تضارب المصالح.
6. تفعيل التدقيق المالي والفني.
7. ربط صرف الأموال بنسبة الإنجاز.
8. محاسبة المسؤول عن المشروع المتلكئ.
في هذه الحالة يمكن أن يكون الحل جزءاً من إصلاح إداري شامل.
السيناريو الثاني: الحل من دون بديل رقابي
وهذا أخطر السيناريوهات.
إذا ألغينا مجلس المحافظة وأبقينا المحافظ والأجهزة التنفيذية من دون رقابة محلية فعالة، فقد نكون قد ألغينا جهة رقابية من دون أن نلغي أسباب الفساد.
وقد ينتقل مركز القرار من مجلس المحافظة إلى الجهاز التنفيذي، بينما يبقى السؤال:
من يراقب المحافظ؟
لذلك فإن إلغاء المجالس من دون بناء بديل رقابي قد يؤدي إلى تركيز السلطة بدلاً من مكافحة الفساد.
السيناريو الثالث: الإصلاح بدلاً من الإلغاء
وهذا خيار يستحق الدراسة.
بدلاً من إلغاء المجالس بالكامل، يمكن تقليص عدد أعضائها، وإلغاء الامتيازات غير الضرورية، ووضع شروط مهنية للعضوية، وربط عملها بمؤشرات أداء، وتحويل جزء كبير من دورها إلى رقابة حقيقية على المشاريع والخدمات.
وهنا تتحول المجالس من مؤسسة سياسية مثقلة بالجدل إلى أداة رقابية محلية حقيقية.
أين يجب أن نبحث عن الفساد الحقيقي؟
إذا أردنا فعلاً القضاء على الفساد، فلا ينبغي أن يكون السؤال:
هل نحُل مجالس المحافظات؟
بل:
أين تتركز الأموال التي يمكن أن تتعرض للهدر والفساد؟
والجواب يقودنا إلى ملفات أكبر بكثير:
العقود الحكومية، المشاريع الاستثمارية، المشتريات العامة، الجمارك، الضرائب، المنافذ الحدودية، الأراضي، التعيينات، الشركات العامة، قطاع الطاقة، المشاريع المتلكئة، والموازنات الاستثمارية.
هذه هي المناطق التي يجب أن تتوجه إليها الرقابة قبل أن ننشغل فقط بعدد أعضاء مجلس المحافظة.
العراق يحتاج إلى "إعادة هندسة" لا إلى مجرد إلغاء
إن إصلاح الإدارة المحلية ينبغي أن يقوم على قاعدة بسيطة:
من يملك المال والصلاحية يجب أن يتحمل المسؤولية، ومن لا يملك الصلاحية لا يتحمل فشل غيره.
اليوم توجد أحياناً صلاحيات متداخلة بين الوزارة والمحافظة، وتداخل في التمويل والتنفيذ والإشراف، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤولية أمراً معقداً.
وقد ناقش مجلس النواب نفسه في كانون الثاني 2026 مشكلات تخصيصات مجالس المحافظات والصلاحيات والعلاقة مع بعض الوزارات، مع طرح تعديل قانون المحافظات لمعالجة الإخفاقات التي تعاني منها الحكومات المحلية.
وهذا يؤكد أن القضية ليست مجرد "وجود مجلس أو عدم وجوده"، وإنما إعادة تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية والحكومة المحلية.
الخلاصة
حل مجالس المحافظات قد يوفر جزءاً من النفقات ويقلل بعض مظاهر الترهل السياسي والإداري، لكنه لن يقضي وحده على الفساد.
فالفساد موجود في المستويات المحلية والاتحادية، والأدلة الرسمية لهيئة النزاهة تظهر قضايا وأوامر استقدام وضبط تمتد إلى وزارات ودرجات عليا ودوائر في المحافظات.
لذلك فإن تحويل قضية الفساد إلى قضية "مجالس محافظات" فقط قد يقودنا إلى تشخيص ناقص للمرض.
العلاج الحقيقي يجب أن يقوم على ثلاثة مسارات متزامنة:
إصلاح الإدارة المحلية، وإصلاح الإدارة الاتحادية، وإعادة بناء منظومة الرقابة والمساءلة.
أما إذا كان الهدف من حل مجالس المحافظات هو مجرد توفير الأموال، فيجب أولاً الإعلان للرأي العام عن الكلفة السنوية الكاملة لهذه المجالس وما سيُلغى فعلياً من النفقات بعد الحل.
أما إذا كان الهدف هو مكافحة الفساد، فإن المطلوب أكبر بكثير من حل مؤسسة منتخبة.
نحن لا نحتاج إلى دولة أقل مؤسسات فقط؛ بل نحتاج إلى دولة أكثر رقابة وأقل فرصاً للفساد.
فالفساد لا يعيش في مبنى مجلس المحافظة وحده، وإنما يعيش حيث توجد السلطة والمال وغياب الرقابة.
وهذه القاعدة تنطبق على المحافظة كما تنطبق على الوزارة، وعلى بغداد كما تنطبق على جميع المحافظات.