يُعاني العراقُ من تراجعٍ ملحوظٍ في إيراداته، النفطية وغير النفطية، بسبب تَراجُعِ أسعارِ النفط، والكسادِ الاقتصادي الذي ضغطَ على الإيرادات غير النفطية، وتفاقمتْ أزمةُ الإيرادات مع بدايات هذه السنة ودخولِ المنطقة في صراع ساخن، خاصّةً بعد غلقِ مضيق هرمز، وانخفاضِ الصادرات النفطية إلى أدنى مستوياتها.

وقد صمَّمتْ حكومةُ السوداني السابقة الموازنةَ العامّةَ على أساس عجزٍ سنوي تقريبي مقداره 24 تريليون دينار عراقي، وحينما تولّى الزيدي رئاسةَ الوزراء وجدَ في حضنِه هذا العجزَ الكبيرَ، وعليه معالجتُه، من خلال أدوات السياسة المالية والنقدية، ويبدو أنّه تمَّ طرحُ العديدِ من الأدوات، إلّا أنّ أخطرَها على الاقتصاد العراقي هو التلاعبُ بسعر الصرف، خاصّةً، وأنّه تمَّ التلاعبُ به سابقًا، وتركَ آثارًا مُدمِّرةً.

وقد تداولتِ الأسواقُ هذا الخيارَ المشؤومَ، بعد تغيير محافظ البنك المركزي، وارتفعَ سعرُ صرف الدولار متأثّرًا بالاشاعات والتسريبات، الأمر الذي دفعَ المتحدِّثُ باسم الحكومة للردِّ على تلك التسريبات، من خلال تصريحاته التي لم تتضمَّنْ إعلانًا صريحًا عن تغيير السعر الرسمي للدولار، ولكنّه تحدّثَ عن "مقاربة مرنة" في إدارة سعر الصرف، وهو إقرارٌضمنيٌّ بأنّ الخيارَ المفضَّلَ والمَرِنَ لدى الحكومة هو تغييرُ سعر الصرف.. ويبدو أنّ النقاشَ داخل أروقة البنك المركزي والمؤسسات الحكومية يَتركَّزُ حول مقدار رفع سعر صرف الدولار.

فإذا كان الهدفُ هو سَدُّ عجزِ الموازنة، فقط، والبالغِ حوالي 25 تريليون دينار عراقي، فهذا يعني أنّ البنكَ المركزي سيرفعُ سعرَ صرف الدولار من 1320 دينارا، إلى سعر يتراوح بين 1600 دينارا و1700 دينارا، وهو السعرُ الذي يُمكِنُه به توفيرَ السيولة النقدية العراقية اللازمة لسدِّ العجز في الموازنة، باعتبار مُعدّلِ الواردات النفطية السنوية بحدود 70 مليار دولار.

وسبقَ أنْ مارسَ البنكُ المركزي صلاحيّتَه في طباعة 25 تريليون دينار، خلال الأشهر السابقة، كوسيلةٍ سريعة لتوفيرِ السيولة، وسدِّ العجزِ في الموازنة، وعلى الرغم من هذا التيسير الكميِّ للكتلة النقدية، فإن سعر صرف الدينار لم يتأثّرْ في الأسواق، والسببُ في ذلك هو وجودُ نقصٍ في سيولة الدينار العراقي في الأسواق المحلية، بسبب تهريبِ حوالي 25 تريليون دينار إلى خارج العراق، فجاء الإصدارُ الجديد لِيحلَّ في الأسواق مَحلَّ الدينارِ المُهرَّبِ. 

إنّ قيامَ البنك المركزي العراقي برفع سعر صرف الدولار لا يعني زيادةُ الكتلة النقدية بالدينار العراقي في الأسواق، وإنّما يعني زيادةُ واردات الحكومة نتيجةَ صرف الدولار بسعرٍ أعلى في الأسواق المحلية، ومن ضمنِ حجم الكتلة المُتداوَلةِ فيها، وهذا يعني ارتفاعُ أسعارِ السّلعِ، لأنّ معظمَها سِلعٌ مستورَدةٌ بالدولار الأمريكي، وهو ما نُسمّيهِ بِتَضخُّمِ سعرِ الصرف، أو التضخّمِ الناتج عن ارتفاع سعر صرف الدولار، والبالغِ حوالي 25%، في حال ارتفاع سعر الصرف فوق 1600 دينار للدولار الواحد.

هذا التضخّمُ، سيدفعُ المواطنُ البسيطُ، وبالأخصِّ الموظفُ، ثمنَه، وسيتحمّلُ وِزرَه، وهو الذي يُعاني، أصلًا، من قلّةِ مواردِه، وارتفاعِ أسعارِ السّلعِ، والركودِ الاقتصاديِّ، ثم تأتي الحكومةُ لِتُثقِلَ كاهلَه بالتَّلاعُبِ بسعر الصرف، باعتباره الأداةَ السهلة والسريعة لتوفير السيولة النقدية للمُوازَنة، في حين

هناك أدواتٌ نقديّةٌ وماليّةٌ عديدةٌ أخرى يُمكِنُ أنْ تَحلَّ محلَّ هذا التّلاعُبِ اللّعينِ والمَشؤومِ، والتي يمكنُ إدراجُها كالآتي:

1- ترشيدُ الموازنة، وإلغاءُ المشاريع التي تُموَّلُ بالقروض، وإعادةُ هيكلةِ التوظيف الحكومي.

2- بيعُ بعضُ الأصول الحكومية بمزادٍ عالمي شفّاف، وإيرادُ مبالغها في الخزينة العامة.

3- ضبطُ تحصيلِ واستيفاءِ إيراداتِ الدولة في كافّةِ القطاعات والدوائر والمؤسسات.

4- إلغاءُ العملةِ العراقية الحالية، وطباعةُ عملةٍ عراقيةٍ جديدةٍ بدلًا عنها، لإجبار المُهرِّبين على إدخال الدينار العراقي المُهرَّبِ إلى العراق، والاشتراط ُعليهم بإيداع الدنانير العراقية في المصارف المحلية، على أنْ يتمَّ تسليمُهم على شكل أقساطٍ خلال فترة سنةٍ أو سنتَين، ثم قيامُ البنكِ المركزي بإصدارِ سنداتٍ وصكوكٍ إسلاميةٍ لسحبِ هذه الأموال وتغطيةِ العجز في الموازنة.

5- إيقافُ الصّرفِ على المشاريع الاستثمارية الحكومية من المُوازَنة العامة، وتمويلُها من خلال زَجِّ مُدّخَراتِ المواطنين في العملية التنموية، وتأسيسِ مشاريع تنموية، صحية وتربوية وخدمية، بِصيَغِ وعقودِ التمويلِ الإسلاميِّ، كالإجارة التمويلية، والصكوك الإسلامية، والمضاربة والشراكة والاستصناع وغيرها، وستُعزِّزُ هذه التمويلاتُ المُوازَنةَ العامّةَ وتَسدُّ جُزءً مهمًّا من عجزِها.

6- استقطاعٌ شهريٌّ بنسبة 5% من راتب كلِّ موظفٍ، على شكلِ اقراضٍ للحكومة بفائدةٍ سنويّةٍ لا تقلُّ عن 8%، على أنْ يَتمَّ إعادتُها، مع الفوائد، للموظفينَ حالَ تحقُّقِ الاستقرارِ الاقتصادي، وهذا سيوفّرُ للخزينة مبلغًا قدره حوالي 4.5 تريليون دينار سنويًّا. 

7- إعادةُ صياغةِ قانونِ الاستثمارِ، وانهاءُ استخدامِه لتأسيسِ المشاريع الخدمية كالإسكان والأبنية التجارية وما شابهها، وتوجيهُه لإنشاء المشاريع الإنتاجية الحقيقية، الزراعية والصناعية، وغيرها، وإلغاءُ كافّةِ العقودِ الاستثمارية الوهمية، واستبدالُها بعقودٍ تستهدفُ الأنشطةَ التنمويّةَ.

8- الإسراعُ في إبرامِ عقدِ تصديرِ النفطِ عن طريق تركيا، والمساهمةُ البنّاءَةُ في إيجاد حلولٍ حقيقيةٍ ومُنصِفَةٍ للطرفين، باعتبار أنّ خطَّ التصديرِ التركيِّ جاهزٌ وفوريٌّ، وأنّ العراقَ قادرٌ على تصدير معظمِ نفطِه عن طريق هذا الخط، وسيكونُ قادرًا على تسويقه في أسواقٍ جديدةٍ بأوروبا وأمريكا.

هذه بعضُ أدواتِ السياسةِ الماليةِ والنقديةِ التي تستطيعُ حكومةُ الزيدي وبنكُها المركزي استخدامَها لمعالجة أزمتِها النقدية، وهي أدواتٌ فعّالةٌ وقابلةٌ للتنفيذ الفوري، وستأتي أُكُلُها إذا مارستْها بشفافيةٍ وكفاءَةٍ، وهي أفضلُ، بلا شكٍّ، من التَّلاعُبِ المَشؤومِ بسعرِ الصّرفِ.

 فحَذارِ.. حَذارِ من التَّلاعُبِ بسعرِ الصّرفِ، والتَّلاعُبِ بأقواتِ الناس وأرزاقِهم، فهذه مسؤوليةٌ دنيويةٌ كبيرة، وأخرويةٌ أشدُّ وأعظمُ.. ألَا هل بلّغتُ، اللّهُمَّ فاشْهَدْ.