طالعتُ سير الكثير من أبطال التاريخ القديم والحديث والمعاصر، وتمحصتُ في مآثرهم، فوجدتُ أن القاسم المشترك بينهم جميعاً كان العقيدة والإيمان والقيم المجتمعية والإنسانية، بغض النظر عن الدين أو المذهب. 

أمام هؤلاء الرجال، نقفُ بتبجيل عند كلمة (أبطال)؛ تلك الكلمة التي تنطوي على قيمٍ ومبادئ سامية.

لقد قدم أولئك العظماء أعمالاً فدائية تجسدت في "الكلمة" قبل "الفعل"، ومن كان منهم ذا طابع ديني، رأيته يقدس الكلمة ويحمل الشجاعة في قلبه لا في لسانه فحسب. 

وعلى رأس هؤلاء الصادق الأمين، النبي محمد (ص)، الذي لم يكن رجلاً يبحث عن مصلحة ذاتية، بل كان شجاعاً في إرساء معالم الرسالة السماوية وإن كلفه ذلك حياته، فأسس أمةً كاملة بالكلمة والعِبرة والتضحية، ولم يسعَ لتمجيد ذاته بل لتمجيد القضية.

وعلى نهجه سار الأئمة الأطهار والصحابة الأخيار، ومنهم ابن عمه علي بن أبي طالب (ع)؛ ذلك الشجاع الهمام الذي لم يهب عدواً أو ظالماً، وكان يخشى الله قبل كل شيء، فغدا مثالاً للقوة والحق، وكذلك كان نجلاه الحسن والحسين (ع).

وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ حيث يتنافس البعض اليوم على "بطولة ورقية" زائفة، مدعين اتباع نهج أولئك الأبطال بالاسم لا بالفعل. هذه الفئة لم تقتبس من سيرة النبي وآل بيته وأصحابه سوى أساليب مبتكرة في تجهيل الأتباع وخداعهم بالضلالات، فاصطنعوا قضايا عاطفية لكسب ود الناس، بعيداً عن قيم الله ومبادئه التي غرسها في أوليائه الطاهرين. 

لقد أشغلوا العالم بـ "اللطم" والعويل ورفع الرايات -التي قد تكون شعائر محترمة في أصلها- لكنهم حولوها إلى "تصنّع" مفرغ من المحتوى، متمسكين بالقشور وتاركين اللب والجوهر.

لقد كان النبي (ص) وعترته وأصحابه ذوي بأسٍ شديد ورفعة، لم يخلطوا الحق بالباطل، ولم يكونوا طلاب دنيا أو مناصب أو مكاسب، بل كانت البساطة سمتهم، وهي التي جملت تاريخهم المشرق حتى أشاد بها أعداؤهم قبل محبيهم.

أما أنتم يا من تسنمتم ذروة السلطة، بعد أن كنتم تدّعون البطولة وحب الوطن والجهاد، فقد كشف الواقع زيف تلك المسميات؛ فاستشرى فيكم الثراء الفاحش، وتبدلت أحوالكم، وتغير خطابكم.. لأجل ماذا..؟ يقيناً لأجل الجاه والمنصب والمكاسب الضيقة. 

إنكم لا تحبون البلد ولا شعبه، ولستم في عداد الشجعان أو أبطال التاريخ؛ فأين أنتم من تضحية (عمر المختار)، وثبات (جيفارا)، وزهد (غاندي)، ونضال (مانديلا)..؟

هذه الأسماء لم تكن رموزاً صورية، بل حملت معاني الفداء الحقيقي، فلم يقتات أحدهم على مال شعبه، ولم يسكن القصور الباذخة، ولم يطوق نفسه بأساطيل الحمايات، ولم يستخدم "بضاعة عدوه". 

أما أنتم، فمن مهزلة المهازل أن تدّعون المقاومة وأنتم غارقون في استهلاك منتجات من تعادون؛ سياراتكم وهواتفكم وأسلحتكم كلها أجنبية، وكل ما يصدر عنكم يجانب الحقيقة.

لقد تغيرت ألوانكم وخطاباتكم بعد بريق المنصب، وها أنتم اليوم ترتجفون بحثاً عن الخلاص، وتتباهون بشجاعة جيرانكم، كحال "المرأة القرعاء التي تتباهى بضفائر ابنة عمها".

ويا للعجب من حكام يتأثر قراراتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، ويصدرون القرارات تماشياً مع "الترند" وردود أفعال "الفيسبوك"! أبطالٌ.. ولكن في "الخداع"!

وختاماً، إنما انتصرت إيران بعقيدة الشجعان الذين يسكنون البيوت البسيطة، وأصحاب الزي المتواضع، نجحت بصناعتها وبمقارعتها للظالم بالفعل لا بالبكاء والتصريحات الرنانة.

كتب هذا.. رجلٌ يراقب من بعيد ما يغفل عنه الكثيرون.