تشهد الساحة الأوروبية اليوم انعطافة خطيرة، لم تعد تقتصر على كونها احتجاجات عابرة لمواطنين يطالبون بحقوقهم الاقتصادية، بل تحولت إلى بؤرة ضغط هيكلي تهدد استقرار النموذج الاجتماعي والسياسي برمته. وتُعد فرنسا، بثقلها السياسي والاقتصادي، مسرحاً رئيسياً لتلك الهزات؛ حيث تتشابك الضغوط المعيشية الداخلية مع حسابات جيوسياسية إقليمية ودولية معقدة، لتضع القارة العجوز أمام مفترق طرق حرج.

​شعلة باريس: ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة

​تجسد الاحتجاجات الراهنة في فرنسا انفجاراً لتراكمات طال أمها، وليست مجرد ردود فعل عابرة على قرارات آنية. ويوضح خبراء الاقتصاد والعلاقات الدولية في Paris School of Business أن هذه التظاهرات تعكس ضغوطاً خانقة تثقل كاهل شرائح واسعة من الناس وتستهدف الطبقة الوسطى في المجتمع، بما تشمله من متقاعدين وطلاب وعمال، وسط تضخم غير مسبوق في تكاليف المعيشة.

​وتأتي حزمة التقشف الحكومية المرتقبة – التي يُتوقع أن تصل قيمتها إلى 45 مليار يورو – لتضع الطبقة الوسطى والمتقاعدين والطلاب وغيرهم في خط المواجهة الأول خشية تآكل معاشاتهم وانخفاض المستوى المعيشي للكثير من الناس. ولم يقتصر الغضب على الفئات الكلاسيكية، بل امتد لقطاع الشباب والطلاب؛ إذ أثبت تدهور البنية التحتية للمؤسسات التعليمية – لا سيما خلال موجات الحرارة القياسية الصيف الماضي – عجز السياسات العامة عن الاستجابة لمتطلبات الحياة الأساسية، مما أخرج آلاف الطلاب إلى الشوارع رافضين واقع التهميش والتقصير.

​خطورة الامتداد: عدوى الاحتجاجات وتمدد الأزمة أوروبياً

​تكمن الخطورة الكبرى اليوم في أن هذه الموجة الغاضبة لم تعد قابلة للاحتواء داخل الحدود الفرنسية، بل تملك كافة المقومات للانتشار السريع كعدوى عابرة للحدود نحو دول أوروبية أخرى (مثل ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلجيكا). تشترك هذه الدول مع فرنسا في المعاناة من ذات الأزمات الهيكلية: تآكل القدرة الشرائية، والتراجع الحاد في خدمات دولة الرفاه، وارتفاع كلفة المعيشة. إن اتساع نطاق الاحتجاجات ليعم عواصم أوروبية متفرقة يُنذر بتهديد مباشر للاستقرار السياسي الداخلي في الاتحاد الأوروبي، ويفتح الباب أمام شلل تام في اتخاذ القرارات الاقتصادية والأمنية المشتركة، وسط تصاعد الغضب الشعبي ضد النخب وسياسات التقشف.

​صدمات الطاقة والحروب المركبة: من أوكرانيا إلى صراع إيران وإسرائيل والأمريكيين

​تتغذى هذه المخاوف من الصراع المستمر منذ سنوات في أوكرانيا، والدعم الأوروبي والبريطاني والفرنسي المتواصل لكييف، والذي أفرز أزمة طاقة خانقة تزامنت مع عقوبات متبادلة أدت إلى قفزات جنونية في أسعار الغاز والكهرباء.

​وما زاد الطين بلة هو اندلاع وتوسع رقعة الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وما نتج عنه من تهديدات مباشرة لخطوط الإمداد والملاحة البحرية ومصادر الطاقة العالمية. هذا التقاطع الخطر بين الحرب في شرق أوروبا والتصعيد العسكري المحتدم في الشرق الأوسط أدى إلى صدمات حادة في أسعار النفط والغاز العالمية، مما خنق الاقتصاد العالمي والأوروبي وأرهق موازنات الأسر، وفتح الباب أمام تآكل الدعم الشعبي لسياسات التقشف.

​هندسة الأزمات: الدور التركي والإقليمي وغرف الاستخبارات الدولية

​تتداخل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا بشكل وثيق مع ملفات جيوسياسية أعمق في الشرق الأوسط؛ حيث لعبت أنقرة – تحت قيادة الحزب الحاكم ذي الأيديولوجية الإسلامية الإخوانية – دوراً رئيسياً ومباشراً في إدارة ملف المهاجرين واستخدامه كورقة ضغط استراتيجية ضد الدول الأوروبية. وقد ترافق ذلك مع أدوار وتحركات وتنافس إقليمي شمل أطرافاً مثل قطر والسعودية في مراحل مختلفة من النزاع السوري والمنطقة، لتغيير التوازنات السياسية والمجتمعية والسيطرة على مقاليد النفوذ.

​ولم تكن هذه التحركات بمعزل عن التخطيط والاستراتيجيات التي صُممت في أروقة غرف العمليات التابعة لأجهزة الاستخبارات الدولية، والتي عملت على توجيه الصراعات وتأجيجها لتمرير إعادة هيكلة جيوسياسية وإعادة توزيع للنفوذ والاقتصاد. وقد أسفرت هذه الهندسة السياسية وتأجيج الحروب عن موجات نزوح ودفع ملايين المهاجرين واللاجئين نحو القارة الأوروبية، مما أدى إلى تغييرات ديموغرافية وضغوط أمنية واقتصادية هائلة تدفع الجبهة الداخلية الأوروبية ثمنها اليوم.

​اليوم، تستغل أطراف متشددة – من جماعات الإسلام السياسي الراديكالية إلى قوى إقليمية ذات أجندات خاصة – هذه الاحتجاجات وذاكرة الاستعمار التاريخية لتخترق الوسط الطلابي والجامعات. وتعمل هذه التنظيمات على ترويج سرديات تربط أزمات أوروبا الاقتصادية الحالية بسياساتها الخارجية السابقة، وتعتبر الضائقة الغربية بمثابة "ثمن" لما قامت به تلك الدول تاريخياً.

​التطرف المتبادل: حلقة مفرغة على حساب المواطن العادي

​هذا الغليان الميداني أفرز بيئة خصبة لما يُعرف بـ "التطرف المتبادل". فمن جهة، تستغل تيارات اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية في أوروبا هذه الاحتجاجات وأعداد المهاجرين المتزايدة لتصويرهم كـ "كبش فداء" وعبء على دولة الرفاه، مبررةً بذلك أيديولوجيتها المتشددة. ومن جهة أخرى، تستثمر الحركات الراديكالية هذا المناخ لتغذية الكراهية وتعميق الهوة بين المجتمعات المضيفة والأجيال الجديدة من ذوي الأصول المهاجرة.

​في نهاية هذه المعركة المحتدمة بين أجندات دولية متصارعة وتيارات متطرفة متقابلة، يبقى المواطن العادي هو الضحية الوحيدة. فالمواطن الأوروبي البسيط يدفع فاتورة الغلاء والتقشف وانهيار الخدمات وتداعيات حرب الطاقة، وفي المقابل، يتحمل المهاجرون والمسلمون المقيمون في أوروبا وزر صراعات لا يد لهم فيها، ليجدوا أنفسهم عرضة لخطابات الكراهية والعقاب الجماعي والتهميش اليومي.

​إن استمرار هذا التآكل في التماسك المجتمعي الأوروبي، ودخول قوى إقليمية ودولية على خط الاستثمار في الفوضى، ينذر بأن ما تشهده فرنسا اليوم ليس سوى بداية لموجة أعمق ستعيد رسم خريطة الاستقرار في القارة برمتها ما لم تتم العودة إلى لغة العقل والحلول الاجتماعية الحقيقية.