تعد الديمقراطية في جوهرها نظاما يقوم على وعي المواطن وقدرته على الاختيار الحر المبني على البرامج والكفاءة لا على الروابط الضيقة، فحين يتحول التصويت إلى امتداد للانتماء العشائري أو صلة القربى، يصبح صندوق الاقتراع مجرد أداة لتولي "سائق شاحنة" أو "تاجر زيوت" لأعلى المناصب في الدولة العراقية
ومع مرور الوقت، وجد بعض هؤلاء أنفسهم مضطرين للحفاظ على مناصبهم بأي ثمن، فكان اللعب على الوتر الطائفي وتأجيج الخلافات بين المكونات أحد أسهل الأساليب لترسيخ مكانتهم وإشغال الرأي العام بصراعات جانبية بدل محاسبة الأداء الحكومي.
وهكذا تتحول الهوية الفرعية إلى أداة سياسية، ويعاد إنتاج الانقسام بدل بناء دولة المواطنة.
الأخطر من ذلك أن ضعف المعايير المهنية فتح الباب أمام ظواهر مقلقة، مثل شراء الشهادات أو تزييف المؤهلات، ما أدى إلى تسلم إدارة مؤسسات حساسة من قبل أشخاص يفتقرون إلى الحد الأدنى من الكفاءة.
وعندما تدار الدولة بعقلية الغنيمة لا بعقلية الخدمة العامة، يصبح الفساد نتيجة طبيعية لا استثناء، وتتراجع مؤشرات التنمية رغم وفرة الموارد .
ويبدو التناقض صارخا في الحالة العراقية؛ فبلد يمتلك ثروات هائلة من النفط والغاز والكبريت والفوسفات، يعاني في الوقت نفسه من أزمات اقتصادية وخدمية خانقة، وبطالة مرتفعة، وبنية تحتية متدهورة.
السبب لا يكمن في نقص الإمكانات، بل في سوء الإدارة وغياب التخطيط طويل الأمد، إضافة إلى استنزاف الموارد في شبكات المحاصصة والفساد بدل توجيهها للتنمية المستدامة .
إن المشكلة ليست في الديمقراطية كنظام بحد ذاته، بل في البيئة التي تطبق فيها.
فالديمقراطية تحتاج إلى دولة مؤسسات قوية، وقانون يعلو على الجميع، وثقافة مدنية تضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات العشائرية والطائفية.
لذلك فإن مستقبل العراق لا يتوقف على تغيير النظام السياسي بقدر ما يتوقف على إصلاح البنية الاجتماعية والسياسية معا عندها فقط يمكن للديمقراطية أن تتحول من صندوق اقتراع عشائري إلى مشروع دولة حديثة تمنح الأمل بدل أن تقود إلى المجهول.